وهو نفس التقسيم في المسألة السابقة فالبدع القولية عند ابن القيم، يدخل فيها الاعتقادات المتضمنة للكذب على الله ورسوله والتكذيب بالحق، والبدع العملية هي العبادية، وحينئذٍ فلا مانع أن نجعل القسمين مترادفين مع فارق يسير، فكل بدعةٍ اعتقادية هي قولية، وكل بدعةٍ عبادية هي عملية إلا أن القولية أعم من الاعتقادية حيث يدخل فيها قول القلب (وهو الاعتقاد) ، وقول اللسان، كما أن العملية أعم من العبادية (فقد يدخل فيها ما ليس من العبادات كالطلاق البدعي ونحوه) والله تعالى أعلم [1] .
فالانحراف فيها إما إلى جهة الغلو والإسراف والإفراط، أو إلى جهة الإضاعة والتساهل والتفريط، فتكون البدعة بهذا الاعتبار نوعين: بدعة إفراط، وبدعة تفريط، وما من مبتدع ولا فرقةٍ بدعية إلا وهو أو هي خارجةٌ عن السنة إلى إحدى هاتين البدعتين (( فإن الشيطان يشم قلب العبد ويختبره، فإن رأى فيه داعية للبدعة، وإعراضًا عن كمال الانقياد للسنة: أخرجه عن الاعتصام بها، وإن رأى فيه حرصًا على السنة، وشدة طلبٍ لها: لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها، فأمره بالاجتهاد والجور على النفس، ومجاوزة حد الاقتصاد فيها قائلًا له: إن هذا خير وطاعة، والزيادة والاجتهاد فيها أكمل، فلا تفتر مع أهل الفتور، ولا تنم مع أهل النوم، فلا يزال يحثه ويحرضه حتى يخرجه عن الاقتصاد فيها، فيخرج عن حدها، كما أن الأول خارج عن هذا الحد، فكذا هذا الآخر خارج عن الحد الآخر .. ) ) [2] .
هكذا يجعل ابن القيم للسنة حدين: حد الاعتصام بها، وحد الاقتصاد فيها، فمن خرج عن الحد الأول وقع في بدعة التفريط، ومن خرج عن الحد الثاني وقع في بدعة الإفراط، وقد مثَّل على ذلك بحال الخوارج فقال بعد كلامه السابق، (( وهذا حال الخوارج الذين يحقر أهل الاستقامة صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قراءتهم، وكلا الأمرين [3] خروج عن السنة إلى البدعة، لكن هذا إلى بدعة التفريط والإضاعة، والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف ) )ثم نقل قول بعض السلف (( ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان إما إلى تفريط، وإما إلى مجاوزة وهي الإفراط، ولا يبالي بأيهما ظفر: زيادة أو نقصان ) ) [4] .
وهذا الخروج عن السنة إلى أحد هذين السبيلين: إما التفريط وإما الإفراط. قد يكون كليًا أو أغلبيًا، بحيث يخرج صاحبه عن السنة جملةً أو في أغلب أصولها، إلى تفريط أو إفراط، أو إلى أحدهما في باب، وإلى الآخر في باب آخر، وقد يكون خروجًا جزئيًا في بعض الأمور والمسائل، لأنه ما من أمرٍ كما سبق ولا نهيٍ ورد في
(1) على أنه لا مانع علميًا من جعل قول اللسان داخلًا في مسمى العمل تارة، وإخراجه منه تارة أخرى، فكل ذلك قد ورد في نصوص القرآن والسنة، كما نبه عليه ابن تيمية- رحمه الله- فقال (لهذا يجعل القول قسيمًا للفعل تارةً، وقسمًا منه أخرى، فالأول كما يقول: الإيمان قول وعمل، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به .. وأما القول في العمل ففي مثل قوله تعالى:"فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون"وقد فسروه بقول لا إله إلا الله ... ) [مجموع الرسائل والمسائل، لابن تيمية، دار الكتب العلمية، ط 1 1403 هـ 2/ 511] وقد قدمنا في المطلب السابق أن ابن القيم يجعل أحيانًا الكفر باللسان من كفر العمل."
(2) مدارج السالكين / فصل قال وهي على ثلاث درجات 2/ 107.
(3) أي الخروج عن حد الاعتصام أو حد الاقتصاد.
(4) مدارج السالكين / فصل قال: وهي على ثلاث درجات 2/ 107.