فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 264

إلا نفسه ولم يضيِّع بذلك إلا حظه [1] ، ومعلوم أن الجهل والظلم عند ابن القيم منبع الشر كله [2] وأن القلوب (في نظره) تنصرف بما فيها من الجهل والظلم عن القرآن والحق [3] .

الفرع الرابع: طريق الاحتياط الواجب ألا نكفر أو نبدع إلا بدليل قاطع من الكتاب أو السنة:

فها هو يذكر قاعدة شرعية عامة عبر عنها بقوله (( وأما الأحكام الشرعية والإخبار عن الله ورسوله فطريق الاحتياط فيها أن لا يخبر عنه إلا بما أخبر به ولا يثبت إلا ما أثبته ) ) [4] إذن فكل حكمٍ شرعي- ومنه التكفير والتبديع- فلابد من الاحتياط فيه، وأول ما يكون به الاحتياط ألا نخبر فيه إلا بما أخبر الله به أو أخبر به رسوله ولا نثبت إلا ما أثبته الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد سبق معنا في نقلٍ عن ابن الوزير أن الدليل على التكفير لابد أن يكون سمعيًا قطعيًا وأن ذلك محل إجماع [5] .

وهذا يبين أن مقصود ابن القيم بهذه القاعدة أن أي حكم شرعي - ومنه التكفير والتبديع - لا يكفي فيه مجرد ورود دليل ظني الدلالة، بل لابد في إثباته من دليل يقيني قطعي من كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - (أي قطعي الدلالة على أن هذا كفر أو بدعة) فهذا هو طريق الاحتياط الواجب فيه، لأن الدليل الظني المحتمل غير كافٍ في إطلاق حكم الكفر أو البدعة أو نحوهما مما هو مبني على الاحتياط والتورع.

الفرع الخامس: للاحتياط صور أكد عليها ابن القيم:

ومنها: ألا يكفر المعين لمجرد صدور لفظ أو فعل مكفرين إن كان هذا اللفظ يحتمل التكفير وغيره، مثال لذلك جحد فرض من فروض الإسلام أو محرم من محرماته أو صفة من صفات الله أو خبر من أخباره الثابتة، فقد ذكر ابن القيم لهذا النوع من الجحود احتمالين:

الأول: أن يكون هذا الجحود عن عمد أو تقديمًا لقول غير الله على قوله .. وهذا كفر أكبر لأنه يقتضي العناد والتكذيب.

الثاني: أن يكون الجحود عن جهل أو تأويل ظانًا أنه بذلك يحقق العبودية لله .. فهذا لا يكون كفرًا، ومثل لذلك بحديث الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح [6] فقد جحد قدرة الله على إعادته، ولكن ذلك كان عن جهل وبدافع خشية الله وخوف عقابه .. فلم يكفر [7] ويمكن أن نضيف إلى ما ذكر ابن القيم مثالًا آخر

(1) يُنظر مدارج السالكين لابن القيم / فصل وأصل هذا الفناء الاستغراق 1/ 130.

(2) يُنظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم / فصل ومنها أن العبد يعرف حقيقة نفسه 2/ 270.

(3) يُنظر: شفاء العليل لابن القيم /فصل وأما الصرف .. 2/ 643.

(4) تهذيب سنن أبي داوود وإيضاح مشكلاته لابن القيم / كتاب العلل 1/ 78.

(5) يُنظر: المطلب السابق: أقوال العلماء.

(6) أخرجه البخاري / باب حديث الغار، رقم (3219) ، ومسلم / في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه، رقم (4950) .

(7) يُنظر: مدارج السالكين لابن القيم / فصل وكفر الجحود نوعان: كفر مطلق ... 1/ 338 - 339.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت