ولو أردنا تتبع أقوال العلماء لطال بنا المقام جدًا، علمًا أن هؤلاء الذين أشرنا إلى أقوالهم منهم من سبق ابن القيم كابن تيمية والغزالي والقاضي عياض، ومنهم من لحقه، والمسألة محل إجماع كما أشار إلى ذلك ابن الوزير [1] في كتابه العواصم والقواصم [2] .
المطلب الثاني:
وجوب الاحتياط في التكفير والتبديع والحذر من الغلو والمجازفة فيهما:
وهذا ضابط عظيم ذو أهمية بالغة، ركز عليه العلماء قديمًا وحديثًا ومنهم ابن القيم- رحمه الله - ومما يدل على تركيز ابن القيم على هذا الأصل العام والضابط المهم تقريراته في بيان أهميته وصور تحقيقه وخطورة إهماله وعلاماته .. وبيان شيء من ذلك في الفروع الآتية:
الفرع الأول: الاحتياط والتورع في التكفير والتبديع علامة فارقة تميز المتبعين من المبتدعين:
إذ هو عند ابن القيم منهج المتبعين للهدى لا الهوى، وسمةٌ بارزةٌ من أهم سمات الراسخين في العلم، وأما الغلو والتسرع والمجازفة في التكفير والتبديع منهج أهل الأهواء والبدع، وصفة بارزة من صفات أهل الجهالة والضلالة. يقول ابن القيم (( من قصر في العلم باعه، وطال في الجهل والظلم ذراعه، يبادر إلى الجهل والتكفير والعقوبة جهلًا منه وظلمًا، ويحق له وهو الدعي في العلم وليس منه أقرب رحمًا ) ) [3] . فهذه هي السمة الأولى للمتسرعين في التكفير بلا حجة ولا برهان، أنهم أدعياء في العلم، قد جمعوا بين سيئتين قبيحتين الجهل والظلم [4] وبئست السيئتان فقد ضُيِّع بهما الدين كله كما قال المولى سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [5] والأمانة هنا هي أمانة الدين. إذن فالابتداع والجهل هما وراء كثير من صور التسرع في التكفير والتبديع.
(1) هو: محمد بن إبراهيم بن علي المرتضى اليماني المعروف بابن الوزير، أحد الأئمة المجتهدين ولد في شهر رجب سنة 775 هـ، وكان إمامًا في جميع العلوم، توفي سنة 840 هـ [يُنظر: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع للشوكاني/ السيد محمد بن إبراهيم 2/ 81] .
(2) فقد قال- رحمه الله- إن التكفير سمعي محض لا مدخل للعقل فيه, وأن الدليل على الكفر لا يكون إلا سمعيًا قطعيًا، ولا نزاع في ذلك [العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، لمحمد بن إبراهيم الوزير اليماني، ت شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1412 هـ/ باب ان الدليل على الكفر والفسق لا يكون إلا سمعيا 4/ 178 - 179] .
(3) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم / فصل فلما رأى آخرون ضعف هذا المسلك ... 1/ 459.
(4) وقد سبق في المطلب الأول ما ذكره ابن القيم في النونية عن الجهلة وأهل الهوى واتباعهم المقلدين من الإقدام على التكفير والتبديع بدون حق فليرجع إليه.
(5) الأحزاب: 72.