فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 264

المبحث الخامس:

الفوائد المنهجية المستفادة من النماذج السابقة

وهي خلاصة ما نخرج به من هذا الفصل وتتمثل في الآتي:

1 -أن ابن القيم لم يغلق باب تكفير المعين وتبديعه بالكلية، كما يفعل من أشرب قلبه الإرجاء .. واتخذ من الضوابط والشروط والموانع سبيلًا لمنع تكفير المعين وتبديعه مهما كان كفره أو ابتداعه، بل إن ابن القيم اجتهد كما اجتهد غيره في الحكم بالكفر أو البدعة على معينين رأوا استيفاء الشروط في حقهم وانتفاء الموانع، نصحًا لله ورسوله، وقيامًا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان سبيل المجرمين.

2 -لم يكفر ابن القيم أو يبدع أحدًا إلا وذكر معه في الغالب سبب تكفيره أو تبديعه .. حتى يكون الجرح مفسرًا .. إبراء للذمة .. وبيانًا للحجة.

3 -لم يكفر ابن القيم أحدًا إلا بعد وقوعه في الكفر الواضح الصراح الذي لا خلاف فيه ودلت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة على كونه كفرًا .. كما رأينا تكفيره لابن سينا ورفاقه بالقول بقدم العالم، وإنكار المعاد، وإنكار علم الله بالجزئيات .. وغيرها، وتكفير ابن عربي وأتباعه بالقول بوحدة الوجود، وجعل الولي أعلى رتبة من الرسول، واعتقاد صحة جميع الأديان والعقائد.

4 -لم يحكم بابتداع أحد إلا بعد بيان بدعته وغالبًا ما تكون بدعة مغلظة اشتهر بين العلماء ضلالتها وابتداع أصحابها، كبدعة التجهم والتعطيل، وبدعة القول بخلق القرآن وبدعة إنكار علو الله .. ولم نره يحكم بابتداع معين لكونه أحدث شيئًا من بدع الوضوء أو الصلاة التي نص على بدعيتها، لأن هناك فرقًا بين من يتبنى أصلًا من أصول أهل البدع، وبين من يقع في بعض آحاد البدع، فلا يسمى الشخص مبتدعًا إلا إذا تبنى أصلًا من أصول أهل البدع، أو أنكر أصلًا من أصول أهل السنة أو تكاثرت البدع عليه حتى صارت غالبة على سلوكه وأحواله.

5 -الحكم على القول أو الفعل بالكفر أو البدعة لا يلزم منه الحكم على القائل أو الفاعل بخروجه عن الإسلام أو السنة أو بتعبير آخر: ليس كل من وقع في الكفر أو البدعة يكون كافرًا أو مبتدعًا - عند ابن القيم - حتى تتحقق الشروط وتنتفي الموانع .. ولذا ذكر موافقة متأخري المعتزلة للجهمية في الكفر .. ومع ذلك لم يكفرهم .. ونص على كفر من قال: القرآن مخلوق، أو أنكر علو الله .. ومع ذلك لم يكفر أئمة المعتزلة والأشاعرة وهم قائلون بذلك.

6 -ورع ابن القيم وعدله وإنصافه، وشدة احتياطه في الحكم على الناس لا سيما تكفيرهم .. ومن دلائل ذلك بالإضافة إلى ما سبق:

أ- التوافق في كثير من الأحكام مع أقوال كثير من العلماء السابقين واللاحقين .. فما من شخص ممن نقلنا عنه تكفيرهم أو تبديعهم إلا وقد سبقه أو وافقه في ذلك علماء آخرون .. مما يعني أن له سلفًا في ذلك، وأن أحكامه ليست ببدع من أحكام غيره من العلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت