تمهيد
هذه الجماعات التي كفرها ابن القيم تنتسب إلى الإسلام وتدعيه، لكنها جمعت في كفرها أصولًا كفرية واضحة وغالت في ذلك، ولم يكن لديها من عذر يدفع عنها وصمة الكفر، لأن ما كفرت به لا يمكن وقوع الجهل أو التأويل المستساغ أو غيرها من الأعذار فيه، ومن أشهر تلك الجماعات التي كفرها أو نقل تكفيرها عن علماء: (الاتحادية، الباطنية، الفلاسفة، غلاة الجهمية، القدرية المنكرون للعلم) وسنفصل الحديث عن كل جماعة فنبدأ بالتعريف بها لكي نعرف شيئًا من أفكارهم التي استوجبت تكفيرهم، ثم حكم ابن القيم عليها، ثم أقوال العلماء الموافقين لابن القيم في ذلك:
المطلب الأول:
الاتحادية
وبيانه في ثلاثة فروع:
الفرع الأول: التعريف
الاتحادية هم القائلون بوحدة الوجود, وأن الله سبحانه حقيقة كل موجود تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا [1] ، وترتب على قولهم فروع كفرية كثيرة فرعوها وقالوا بها، منها: تصويب عبدة الأوثان، وتخطئة الأنبياء في الإنكار عليهم، وعدم صحة لا إله إلا الله لأنها تستلزم في نظرهم التعدد ولا تعدد، إنما كانوا يقولون في ذكرهم ليس إلا الله، ولذا سماهم أحد العلماء الليسية كما نقل ذلك الشوكاني [2] ونقل عنهم من كلماتهم المستبشعة ما تقشعر له الجلود كقول أحدهم (خضت بحرًا وقف الأنبياء بساحله) [3] ، وقوله (لو تحركت نملة سوداء فوق صخرة صماء في ليلة ظلماء في أقصى الصين ولم أسمعها لقلت إني مخدوع) [4] ، وزاد آخر منهم (وكيف أقول لم أسمعها وأنا محركها) [5] ، ثم علق الشوكاني بقوله (( ولولا أن حكاية الكفر لا تكون كفرًا لما حل حكاية نهيق هؤلاء المخذولين، والاشتغال بإبطال هذه المقالة التي اخترعتها الاتحادية ... لا يحتاج إليه من عرف سورة من كتاب الله ) ) [6] .
(1) يُنظر: الصوارم الحداد القاطعة لعلائق أرباب الاتحاد، للإمام الشوكاني / فصل القرآن كله شرك عند التلمساني، ص 109 - 110، ويُنظر: جامع المسائل لابن تيمية / هذا أس زندقة الاتحادية 4/ 397 - 398.
(2) يُنظر: الصوارم الحداد للشوكاني / فصل ابن عربي يعترض على كلمة التوحيد وكذلك ادعاؤهم الألوهية ... ، ص 110.
(3) نسبت هذه الكملة لأبي يزيد البسطامي كما ذكر ذلك أبو حيان في تفسيره، والشعراني في طبقاته [يُنظر: تفسير أبو حيان (البحر المحيط) ، لمحمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، ت زهير صعيد، دار الفكر - بيروت، ط 1، 1412 هـ/ سورة الكهف 6/ 148، والطبقات الكبرى، لأحمد بن علي الشعراني / ومنهم الشيخ سيدي الإمام أحمد أبو العباس المرسي 1/ 230] .
(4) وقائل هذه الكلمة هو قائل التي قبلها في ظاهر كلام الشوكاني فتكون مما نسب لأبي يزيد البسطامي كما سبق.
(5) لم أجد - بحسب بحثي - من نسبت له هذه الكلمة، لكن الشوكاني جعلها من كلمات أهل الاتحاد، ولم ينسبها لقائل منهم معين، كما في مصنفه المذكور سابقًا.
(6) الصوارم الحداد القاطعة لعلائق أرباب الاتحاد للشوكاني/ فصل ادعاؤهم الالوهية ص 111 - 112 باختصار.