المطلب الأول:
الجهمية من غير الغلاة
ولا نحتاج إلى التعريف بهم هنا، فقد عرفنا بالجهمية عمومًا في المبحث السابق, لذا يتلخص المطلب في فرعين:
الفرع الأول: حكم ابن القيم على الجهمية غير الغلاة
من تأمل كلام ابن القيم عن الجهمية لم يشك لحظة في كون الجهمية عنده مبتدعة زائغين ضالين، على رأس قائمة المعطلين لأسماء الله وصفاته، وهم أولى عنده بالدخول في طوائف البدع من الخوارج الذين ورد ذمهم على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - ووصفهم بالمروق من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وإنما ذم النبي - صلى الله عليه وسلم - الخوارج على وجه الخصوص لأن مقالتهم حدثت في زمانه - صلى الله عليه وسلم - كما يقول ابن القيم (( وأما الإرجاء والرفض والقدر والتجهم والحلول وغيرها من البدع، فإنها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة، وبدعة القدر أدركت آخر عصر الصحابة، فأنكرها من كان منهم حيًا، كعبد الله بن عمر ... ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة فتكلم فيها كبار التابعين الذين أدركوها .. ثم حدثت بدعة التجهم بعد انقراض عصر التابعين، واستفحل أمرها، واستطار شررها في زمن الأئمة .. ثم حدثت بعد ذلك بدعة الحلول ) ) [1] . والملاحظ في النص السابق أمران:
الأول: التنصيص على كون التجهم من البدع المحدثة، والإشارة إلى كون أهله من طوائف أهل البدع.
الثاني: تحديد زمن ظهور بدعة الجهمية والذي كان بعد انقراض عصر التابعين، ومعنى ذلك أنها بدعة مغلظة، إذ أن البدعة كلما كانت أغلظ كلما كان زمانها أبعد عن عصره - صلى الله عليه وسلم -، ولم يجعل ابن القيم بدعة أبعد زمانًا - من غير الحلولية - إلا بدعة الجهمية، فهي في الدرجة الثانية بعد الحلولية ومن ثم فهي فيما يبدو الأغلظ بين البدع - بعد أهل الحلول - وعندما أورد ابن القيم التسلسل التاريخي لظهور البدع والزندقة ووصل إلى ذكر الجهمية بعد ذلك وصفهم بأنهم أول من عارض الوحي بالرأي، أي أنهم وقعوا فيما لم يقع فيه من قبلهم من أهل البدع [2] .
ولا غرابة فالتجهم سوق يحوي من البدع والضلالات والجهالات والشك والحيرة ما لا يحصى، إذ هو بها مجتمعة زعيم وكفيل كما يشير ابن القيم [3] .
وقد جمع ابن القيم للجهمية من غير الغلاة وصفي الفسق والبدعة حيث قال (وفسق الاعتقاد كفسق أهل البدع) [4] ثم ذكر منهم كثيرًا من الجهمية الذين ليسوا غلاة في التجهم.
وهذا ما يؤكد التفريق بين غلاة الجهمية ومن دونهم كما ذكرنا سابقًا ونجد ابن القيم في كثير من كتاباته لا يكاد يذكر أهل الضلال والزيغ والبدعة إلا ذكر على رأسهم أصحاب هذا المذهب الردي، والنحلة الخبيثة [5] .
(1) تهذيب سنن أبي داوود لابن القيم/ باب الصلاة من الإيمان 2/ 349 باختصار.
(2) يُنظر: الصواعق المرسلة لابن القيم 2/ 1077.
(3) يُنظر: إعلام الموقعين / فصل الفائدة السابعة عشرة إذا سئل عن مسألة 6/ 83.
(4) المصدر السابق 1/ 362.
(5) يُنظر: على سبيل المثال كتب ابن القيم التالية: إعلام الموقعين / فصل الرأي الباطل وأنواعه 2/ 125 - 128، ويُنظر: الفوائد / الناس في هذا الموضوع أربع فرق 1/ 114، وكتاب الطرق الحكمية /فصل الطريق السادس عشر الحكم بشهادة الفاسق 1/ 461، واجتماع الجيوش الإسلامية / أقوال جماعة من اتباع الائمة 1/ 115، والروح / فصل الأمر الثاني أن يفهم عن الرسول 1/ 183، وحادي الأروح / الباب الخامس والستون، ص 266.