فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 264

المسألة الخامسة: الضعف والتناحر والاختلاف داخل الدولة نفسها:

سواء في ذلك دولة المماليك، أو الدول الأخرى، حتى إنك لتصاب بالذهول من كثرة السلاطين في بعض الفترات، فمثلًا في العقد الأخير من حياة ابن القيم، تولى الحكم خلال عشر سنوات (من عام 741 هـ- إلى عام 751 هـ وهي سنة وفاة ابن القيم) ثمانية سلاطين من المماليك أربعة منهم خلعوا، واثنان قتلوا، واثنان توفوا، ثم الستة الذين خلعوا وقتلوا خمسة منهم كان خلعهم أو قتلهم بعد مضي أقل من سنة من حكمهم [1] ، بل إنك إذا نظرت إلى العهد المملوكي ككل وجدت أن أكثر سلاطين ذلك العهد إما أن يخلع أو يقتل، ونادرًا ما يبقى السلطان على كرسيه حتى يموت، ففي عصر المماليك البحرية (الممتد من 648 - الى 792 هـ) تولى الحكم تسعة وعشرون سلطانًا، لم يتوف منهم وفاة طبيعية وهو باق على الحكم إلا خمسة (أي ما نسبته أقل من 18%) ، بينما ما يعادل 82% من سلاطين تلك الفترة ما بين قتيل أو مخلوع، وهكذا نجد في عصر المماليك الجراكسة (البرجية) (الممتد من 792 - الى 923 هـ) سبعة وعشرين سلطانًا، لم يبق على الحكم حتى مات إلا ثمانية منهم، والبقية ما بين قتيل أو مخلوع، والأعجب أن أحدهم خلع بعد ليلة واحدة من توليه الحكم، وآخر بعد أقل من شهر ونصف، وثالث تولى مرتين في الأولى خلع، وفي الثانية قتل [2] .

تلك بعض دلائل الاضطراب السياسي، ورغم كل ذلك فإن مما يشهد به ومما يحسب للعهد المملوكي أن الروح الجهادية كانت فيه عالية، والعاطفة الدينية مرتفعة، عند الراعي والرعية، فلم تؤثر تلك الاضطرابات السياسية بشكل كبير على سير عمليات التصدي للغزاة والمعتدين - وإن كانت أضعفتها في بعض الفترات -، ولم يقم أحد بدور الدفاع عن الإسلام وبلاد المسلمين مثلما قام به المماليك في تلك الفترة، فهم الذين تصدوا للمغول، وهزموهم في عين جالوت وفي معركة شقحب، وهم الذين أنهوا الاحتلال الصليبي لعكا وبقية سواحل الشام.

ومن أعجب ما يدل على ذلك أنهم حين سمعوا بهجوم البرتغاليين على جنوب الجزيرة العربية، ومحاولتهم احتلال مدينة عدن، أرسلوا جيوشًا لمواجهة هؤلاء الغزاة المعتدين، رغم أن اليمن - حينذاك - لم تكن خاضعة لحكمهم، ورغم أنهم كانوا في آخر مراحل دولتهم- أي ليسوا بتلك القوة التي كانوا عليها إبان قيامها -، ومع ذلك فقد انبروا للدفاع عن جزء من بلاد المسلمين خارج عن سيطرتهم، وكان ذلك مطلع القرن العاشر الهجري [3] .

(1) يُنظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر/ العهد المملوكي: الباب الأول: المماليك 7/ 35، 36.

(2) يُنظر: المصدر السابق / العهد المملوكي 7/ 69، 70 (والذي خلع بعد ليلة واحدة: اسمه: خيربك، والثاني الذي خلع بعد أقل من شهر ونصف: اسمه: المنصور عثمان، والذي تولى مرتين وقتل في آخرهما هو: ابن الأشرف قايتباي) .

(3) يُنظر: المصدر السابق / العهد المملوكي: الباب الثاني: جزيرة العرب 1/ 111 - 112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت