فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 264

والخلاصة أن الفرقتين مقرونتان في كثير من كلام ابن القيم وبينهما من القواسم المشتركة ما يجعلهما قريبين من بعض في درجة الفسق والبدعة والزيغ، وطالما شذت الفرقتان في مسائل قد اتفقت عليها وأجمعت سائر فرق الأمة: كاعتقاد فناء الجنة والنار، قال ابن القيم (( فلا ريب أن القول بفنائهما قول أهل البدع من الجهمية والمعتزلة، وهذا القول لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة المسلمين ) ) [1] لكن تحري ابن القيم وتطبيقه لضوابط التكفير وما يتطلبه من تحقق شروط وانتفاء موانع جعله لا يجزم بكفر المعتزلة - وقد وافق متأخروهم جهمًا في الكفران - لعدم غلوهم في ذلك الكفر كصنع الجهمية الغلاة، ولوجود التأويل الذي لا يوجد مثله لدى غلاة الجهمية (هذان هما السببان في عدم تكفيرهم فيما يبدو .. والله أعلم) .

الفرع الثالث: العلماء الموافقون لابن القيم في تبديع المعتزلة:

الحكم على المعتزلة بالابتداع والزيغ، ومجانبة الحق والصواب، هو قول عامة أهل العلم ومنهم:

1)الإمام أبو عبد الله سفيان الثوري (ت 161 ه) - رحمه الله - القائل (( أما المعتزلة فهم يكذبون بعذاب القبر، وبالحوض، وبالشفاعة، ولا يرون الصلاة خلف أحد من أهل القبلة إلا من كان على هواهم، وكل أهل هوى، فإنهم يرون السيف على أهل القبلة ) ) [2] .

2)الإمام يونس بن عبيد (ت 139 هـ) حين قال لولده لما دخل على شيخ المعتزلة عمرو بن عبيد (( يا بني قد عرفت رأيي في عمرو ثم تدخل عليه؟ قال: كان معي فلان، قال فجعل يعتذر، فقال يونس أنهاك عن الزنا والسرقة وشرب الخمر، ولأن تلقى الله عز وجل بهن أحب إلي من أن تلقاه برأي عمرو وأصحاب عمرو ) ) [3] .

3)الإمام هبة الله بن الحسن اللالكائي (ت 418 هـ) فقد بين حالهم وما هم عليه من الإحداث والزيغ الكبير عن الوحي كتابًا وسنة، فقال: (( قوم لم يتدينوا بمعرفة آية من كتاب الله في تلاوة أو دراية، ولم يتمكنوا في معنى آية ففسروها أو تأولوها على معنى اتباع من سلف من صالح علماء الأمة إلا على ما أحدثوا من آرائهم الحديثة، ولا اغبرت أقدامهم في طلب سنة أو عرفوا من شرائع الإسلام مسألة ) ) [4] واعتبر رحمه الله - أصولهم مظلمة، وآراءهم محدثة، وأقاويلهم منكرة، لا إسناد لهم في تمذهبهم إلى شرع سابق، ولا إلى قول من سلف الأمة موافق، بل جزم بأنهم لم يسبقهم إلى بدعتهم إلا منافق مارق، أو معاند للشريعة مشاقق [5] .

4)الإمام عبد الرزاق الصنعاني (ت 211 هـ) حين قال له إبراهيم بن أبي يحيى إني أرى المعتزلة عندكم كثيرًا فقال له نعم وهم يزعمون أنك منهم، فقال إبراهيم بن أبي يحيى (( أفلا تدخل معي هذا الحانوت

(1) حادي الأروح .. لابن القيم /الباب السابع والستون، ص 335.

(2) شرح مذاهب اهل السنة لابن شاهين، المعتزلة فهم يكذبون بعذاب القبر 1/ 37 رقم 35.

(3) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، ما ذكر من مخازي مشايخ القدرية وفضائح المعتزلة 2/ 817 رقم (1378) .

(4) المصدر السابق، جهل المعتزلة بالكتاب والسنة 112/ 11.

(5) يُنظر: المصدر السابق 1/ 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت