ورام إبطال الأذان، وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي فحال بينه وبين ذلك من تكفل بحفظ الإسلام ونصره، وهذا كله من ثمرة المعارضين بين الوحي والعقل وتقديم العقل على السمع ... )) [1] .
والخلاصة في هذه النقطة: أن عدم التسليم للوحي ومعارضته بالرأي وتقديم العقل على النقل أصل كل بلية طرقت العالم كما يرى ابن القيم [2] ، وأن هذا هو الميراث الأكبر للشيخ أبي مرة إبليس لعنه الله فهو أول من عارض الوحي بالرأي، وعلى دربه سار المعارضون [3] بحسب ابن القيم.
يلخص ابن القيم العلاقة بين هذا السبب وبين البدعة بقوله (( عدم الرضى يفتح باب البدعة، والرضى يغلق عنه ذلك الباب، ولو تأملت بدع الروافض والنواصب والخوارج، لرأيتها ناشئة من عدم الرضى بالحكم الكوني أو الديني أو كليهما ) ) [4] . وقرر (( أن أول معصية عصي الله بها في هذا العالم: إنما نشأت من عدم الرضى، فإبليس لم يرض بحكم الله الذي حكم به كونًا من تفضيل آدم وتكريمه، ولا بحكمه الديني من أمره بالسجود لآدم، وآدم لم يرض بما أبيح له من الجنة حتى ضم إليه الأكل من شجرة الحمى، ثم ترتبت معاصي الذرية على عدم الصبر وعدم الرضى ) ) [5] .
فجعل ابن القيم عدم الرضى سببًا لأول ضلال وانحراف وكفر وهو الذي وقع من إبليس، وسببًا لأول معصيةٍ وهي التي وقعت من أبي البشر- عليه السلام -، إلا أن الفرق بين ما وقع من إبليس وما وقع من آدم، أن عدم الرضى من إبليس كان شاملًا لحكم الله الكوني والديني، وكان على سبيل العناد والمشاقة لله والاستكبار على أمره .. فكفر بذلك وطرد من رحمة الله كما قال ابن القيم (( وأصل مخاصمة إبليس لربه: من عدم رضاه بأقضيته وأحكامه الدينية والكونية، فلو رضي لم يمسخ من الحقيقة الملكية إلى الحقيقة الشيطانية الإبليسية ) ) [6] .
أما آدم- عليه السلام- فكان عدم رضاه ليس على سبيل العناد والمشاقة والاستكبار، وإنما على سبيل غلبة شهوة الخلود والملك التي مناه بها إبليس في حالٍ من النسيان وضعف العزيمة كما قال تعالى {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [7] ، إذْ لوكان آدم مستكبرًا لما أسرع بالتوبة والانتباه للعقوبة والاعتراف بالذنب {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [8] لأن حاله وزوجته
(1) الصواعق المرسلة لابن القيم / الوجه الثامن والثمانون .. نشأة الفرق 3/ 1077 - 1078: باختصار.
(2) يُنظر: المصدر السابق / الوجه الثامن والثمانون .. نشأة الفرق 3/ 1078.
(3) يُنظر: المصدر السابق / الوجه الثامن والستون / بيان أن إبليس أول من قدم العقل على الوحي 3/ 998 - 1001.
(4) مدارج السالكين لابن القيم / فصل ومنها حصول العبودية المتنوعة 2/ 211.
(5) المصدر السابق 2/ 214.
(6) مدارج السالكين لابن القيم 2/ 212.
(7) طه: 115.
(8) الأعراف: 23.