فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 264

الفرع الثاني: حكم ابن القيم على الفلاسفة

أما الفلاسفة اليونانيون فلاشك في كفرهم عند ابن القيم ولاشك في عدم اعتبارهم من أتباع الرسل مهما قرُبت بعض أقوالهم أو أقوال بعضهم مما جاءت به الرسل، بل لاشك في عدهم أعداءً للرسل قد بلغوا من الكفر بما جاءت به الرسل مالم يبلغه غيرهم وهو ما يفيده قوله في النونية:

(( وكذاك توحيد الفلاسفة الألى *** توحيدهم هو غاية الكفران ) ) [1] .

صحيح أن من الفلاسفة اليونانيين من كان من العباد المتألهين والمجاهرين بمخالفة قومهم في عبادة الأصنام، كسقراط الذي كان مذهبه في الإلهيات خيرًا من مذاهب الفلاسفة الآخرين، وكان كلامه في المعاد والصفات والمبدأ أقرب إلى كلام الأنبياء كما يقول ابن القيم، لكنه لم يعتبره بذلك مسلمًا، بل غاية ما قاله ابن القيم عن سقراط (( وبالجملة فهو أقرب القوم إلى تصديق الرسل ) ) [2] .

-وهذا في الأصل ليس موضوع بحثنا - إنما ذكر استطرادًا - وموضع بحثنا هو:

حكمه على الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام:

إن أول ما يمكن تقريره من كلام ابن القيم أن رؤوس الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام والذين ظهروا إبان القرون الوسطى لا يقلون كفرًا وضلالًا عن فلاسفة اليونان، إذْ هم في الحقيقة أشياعٌ لأعظم فلاسفة اليونان المتأخرين كفرًا وشركًا ألا وهو أرسطو.

وإليك ما قرره ابن القيم في هذه النقطة بالذات قائلًا (( والمقصود أن الفلاسفة اسم جنس لمن يحب الحكمة ويؤثرها، وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصًا بمن خرج عن ديانات الأنبياء، ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه، وأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو، وهم المشاؤون خاصة، وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها وقررها، وهي التي يعرفها بل لا يعرف سواها المتأخرون من المتكلمين، وهؤلاء فرقة شاذة من فرق الفلاسفة ) ) [3] ثم لخص عقيدة أرسطوا وأتباعه بالقول (( فحقيقة ما كان عليه هذا المعلم لأتباعه: الكفر بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ودرج على أثره أتباعه من الملاحدة ممن يتستر باتباع الرسل وهو منحل من كل ما جاءوا به ) ) [4] .

وهكذا عندما ذكر نصير الدين الطوسي الذي يسميه ابن القيم نصير الشرك والكفر، ذكر رواج فلسفته وفلسفة إمامه ابن سينا التي هي مأخوذة من فلسفة أرسطو، وفيها من الشرك والكفر ما يفوق شرك كفار قريش بأضعاف أضعاف [5] وصرح أيضًا بأن السيناويه (أي أتباع ابن سينا) والفارابية (أي أتباع أبي نصر الفارابي) والطوسية (أي أتباع نصير الدين الطوسي) قصارى ما وصلوا إليه وغاية ما تقتضيه فلسفتهم أن ليس للعالم عندهم

(1) القصيدة النونية، لابن القيم، ص 231.

(2) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم / فصل والفلاسفة لا تختص بأمة من الأمم ... 2/ 315.

(3) المصدر السابق / فصل فسر هذه البلايا الثلاث في كثير من طوائف الفلاسفة 2/ 305.

(4) المصدر السابق / فصل وكذلك كان أساطينهم ومتقدموهم العارفون فيهم 2/ 307.

(5) يُنظر: المصدر السابق / فصل والفلاسفة لا تختص بأمةٍ من الأمم 2/ 316.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت