فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 264

وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم، بل إذا خلي وطبعه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين فذلك جائز- وإن أعان طبيعته بفضل تزيين وتحسين- كما قال أبو موسى الأشعري للنبي - صلى الله عليه وسلم - لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا ... فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويتسمعونه وهو التغني الممدوح المحمود )) [1] ، وعليه حمل ابن القيم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) ) [2] .

(( الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل الا بتكليف وتصنع وتمرن، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة، لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموها ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها ) ) [3] فالفرق إذن بين التغني المحمود، والتغني المذموم، هو وجود التكلف من عدمه، فما كان على السليقة من غير تكلف فهو محمود - حتى لو صحبة تطريب وتزيين وتحسين- وما كان صناعةً وله أوزان وإيقاعات محدودة لا تحصل وتدرك إلا بتعليم فهو المذموم بحسب ابن القيم رحمه الله.

الفرع الثاني: بدع عملية غير مكفرة ذكر فيها تفصيلًا أو نزاعًا:

ومنها:

1.وضع الكتب وتأليفها في غير الحديث والسنن:

وهذا قد يكون مستغربًا أن يذكر هنا ضمن البدع، إذ الأصل في مثل هذا حله بل قد يرتقي إلى درجة الاستحباب أو الوجوب بحسب الغرض منه، لكن ابن القيم قد نقل عن الإمام أحمد القول ببدعية تأليف الكتب ووضعها، ومنه قوله (( وقال عبدالله بن أحمد سمعت أبي يقول هذه الكتب بدعة وضعها، وقال إسحاق بن منصور سمعت أبا عبدالله يقول لا يعجبني شيء من وضع الكتب، من وضع شيئًا من الكتب فهو مبتدع ) ) [4] ثم قال بعد النقولات الكثيرة عن الإمام أحمد (( ومسألة وضع الكتب فيها تفصيل ليس هذا موضعه، وإنما كره أحمد ذلك, ومنع منه لما فيه من الاشتغال به والإعراض عن القرآن والسنة، فإذا كانت الكتب متضمنة لنصر القرآن والسنة والذب عنهما وإبطال الآراء والمذاهب المخالفة لهما فلا بأس بها، وقد تكون واجبة ومستحبة ومباحة بحسب اقتضاء الحال والله أعلم ) ) [5] . ويدخل في ذلك حتى كتب الطب والعلوم الأخرى التي فيها نفع للبشرية فإنها لا تستلزم الإعراض عن القرآن والسنة، بل قد تكون خادمة لمقاصد الشريعة من السير في الأرض وعمارتها والاطلاع على آيات الله في الآفاق.

(1) زاد المعاد لابن القيم/ اختلاف الناس في معنى التغني بالقرآن 1/ 474 باختصار.

(2) أخرجه أحمد، مسند أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص رقم (1476) والبخاري / باب قول الله تعالى (وأسروا قولكم .. ) رقم (7527) عن أبي هريرة، وأبو داوود / باب استحباب الترتيل في القراءة رقم (1257) عن سعيد بن أبي سعيد.

(3) زاد المعاد لابن القيم / اختلاف الناس في معنى التغني بالقرآن 1/ 474.

(4) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم / فصل وكذلك لا ضمان في تحريف ... 2/ 712.

(5) المصدر السابق 2/ 714.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت