فهرس الكتاب
2.المداومة على القنوت في الفجر:
فإن ابن القيم نقل القول ببدعيته، وبين استحالة أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - داوم عليه ومع ذلك لم ينقل عنه، لكنه نقل أيضًا عدم إنكار كثير من العلماء على من يفعله، مما يدل على وجود قولين في المسألة، وفيما يلي نص كلامه وهو يشرح هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك (( وقنت في الفجر بعد الركوع شهرًا ثم ترك القنوت، ولم يكن من هديه القنوت فيها دائمًا، ومن المحال أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في كل غداة بعد اعتداله من الركوع يقول: اللهم اهدني فيمن هديت وتولني فيمن توليت الخ. ويرفع بذلك صوته، ويؤمن عليه أصحابه دائمًا إلى أن فارق الدنيا، ثم لا يكون ذلك معلومًا عند الأمة، بل يضيعه أكثر أمته، وجمهور أصحابه بل كلهم حتى يقول من يقول منهم إنه محدث، كما قال سعد بن طارق الاشجعي: قلت لأبي: يا أبت إنك صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي- رضي الله عنهم- هاهنا وبالكوفة منذ خمس سنين، فكانوا يقنتون في الفجر، فقال أي بني محدث،(رواه أهل السنن وأحمد، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح) ، وذكر الدار قطني عن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول إن القنوت في صلاة الفجر بدعة، وذكر البيهقي عن أبي مجلز [1] قال: صليت مع ابن عمر صلاة الصبح فلم يقنت فقلت له لا أراك تقنت قال: لا أحفظه عن أحد من أصحابنا )) [2] وبهذا الوجه الذي ذكره يتبين استحالة مداومة النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعل شيء في الصلاة أو في غيرها من العبادات، دون أن ينقل أحد من الصحابة ذلك، فالمداومة إذن بدعة محدثة كما صرح بعض الصحابة، أما القنوت أحيانًا فقد أقر ابن القيم أنه - صلى الله عليه وسلم - جهر وأسر، وقنت وترك، وأن سره أكثر من جهره، وتركه أكثر من فعله، لكن فعل القنوت إنما كان في النوازل [3] ومع ذلك نجد ابن القيم بعد أن نقل القول ببدعية المداومة على القنوت، وانتصر لكونه مما لم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - رجح القول بعدم تبديع من فعل ذلك، ولا الجزم بأنه بدعة، لكن هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أكمل منه [4] .
3.قراءة القرآن بالألحان:
فقد نقل الإمام ابن القيم روايات عن الإمام أحمد في عد ذلك بدعة، ففي رواية قال: ما تعجبني هو محدث، وفي رواية: القراءة بالألحان بدعة لا تسمع، وفي رواية ثالثة قال: قراءة الألحان بدعة [5] . كما نقل قولًا آخر بالجواز عن طائفة من أهل العلم، منهم ابن المبارك وابن جرير، وجماعة من الصحابة منهم عمر وأبو موسى وابن عباس وغيرهم، وبعد ذلك استطرد في ذكر أدلة كل فريق وجوابه عن الفريق الآخر، حتى وصل الى الترجيح فقال: (( وفصل النزاع أن يقال: التطريب والتغني على وجهين أحدهما: ما اقتضته الطبيعة،
(1) تابعي ثقة اسمه لاحق بن حميد السدوسي، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز قبل وفاة الحسن البصري [يُنظر: الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد البصري، ت إحسان عباس، دار صادر بيروت، ط 1، 1968 م / أبو مجلز 7/ 216] .
(2) زاد المعاد لابن القيم / فصل وكان إذا قام طأطأ رأسه ... 1/ 263.
(3) يُنظر: المصدر السابق / فصل وقنت في الفجر بعد الركوع شهرًا 1/ 195 - 196.
(4) يُنظر: المصدر السابق 1/ 197 - 198.
(5) (يُنظر: المصدر السابق / اختلاف الناس في معنى التغني بالقرآن 1/ 474.