ولئن صح مثل هذا فما من شك في كفره وزندقته، غير أن ابن القيم لم يجزم بتكفيره، لاحتمال عدم صحة نسبة الكتاب إليه [1] كما يحتمل توبته من ذلك وموته على طريقة حميدة - وقد سبق ذكر من نص على ذلك في ترجمته من المؤرخين-.
المسألة الخامسة: كلام ابن القيم في أبي الحسن الآمدي:
فإمامته بين النفاة وجهمية المتكلمين عند ابن القيم لا تقل عن إمامة الرازي، كما أن أفضليته في العقليات بين المتأخرين كأفضلية الرازي أو أعظم، وله من الحيرة والوقف في المسائل الكبار ما يرميه في أشنع أودية الضلال، حتى علق ابن القيم على حيرته بقول الله {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [2] [3] ، وهو أحد الجهمية المعطلين النافين لعلو الله على خلقه الذين فوق إليهم سهامه في كتاب (الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة) ، وأفرده بالرد في بعض المباحث ما يدل على اعتباره إمامًا من أئمتهم [4] .
وسيلخص كلامهم في تبديع المذكورين في المسائل الآتية:
المسألة الأولى: تبديعهم لابن فورك: فقد أشار إلى تبديعه الإمام الذهبي (ت 748 هـ) في تاريخ الإسلام بقوله (( كان مع دينه صاحب قلبة وبدعة ) ) [5] وقال في سير أعلام النبلاء (( وكان أشعريًا رأسًا في فن الكلام ) ) [6] .
وجعله الإمام أبو نصر السجزي (ت 444 هـ) من المخالفين للحق هو وأصحابه، وأعظم ضررًا على عوام أهل السنة من المعتزلة لما عندهم من التمويه [7] وبعد ما ذكر المعتزلة وبعض أعيانهم ذكر الأشاعرة وبعض أعيانهم ومنهم ابن فورك، ثم ذكر الكرامية، ثم قال (( وكلهم أئمة ضلالة ) ) [8] .
وأما الإمام أبو محمد بن حزم (ت 456 هـ) فكان أشد من الجميع في تبديع ابن فورك ـ وصل الأمر عنده إلى اعتبار بعض أقواله إلحادًا ومعارضة لله وتكذيبًا بآياته وهتكًا لإجماع المسلمين [9] .
(1) والعلماء على قولين في صحة نسبة الكتاب إلى الرازي، فممن أثبته ابن تيمية [يُنظر: بيان تلبيس الجهمية ... / فصل: وقد وصف الله نفسه بالاستواء على العرش 1/ 445 والذهبي يُنظر: ميزان الاعتدال في نقد الرجال / 6686 - الفخر 3/ 340، وابن خلكان يُنظر: وفيات الاعيان / فخر الدين الرازي 4/ 249، وصلاح الدين الصفدي يُنظر الوافي بالوفيات / ابن عمر 2/ 41. وممن نفى صحة نسبته إليه التاج السبكي يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى / محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي 8/ 81] .
(2) النساء: 143.
(3) يُنظر: الصواعق المرسلة لابن القيم / الوجه الرابع والعشرون: إن كل من أعرض ... 3/ 841، والوجه الثاني والتسعون إن هؤلاء المعارضين ... 3/ 1094.
(4) يُنظر: المصدر السابق / فصل الطريق السادس عشر: إن من أعجب العجب 4/ 1319.
(5) تاريخ الإسلام للذهبي/ محمد بن الحسن بن فورك 6/ 446.
(6) سير أعلام النبلاء .. للذهبي/ 125 - ابن فورك 17/ 214.
(7) رسالة الإمام السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت / الفصل السابع في بيان فعلهم في اثبات الصفات في الظاهر وعدولهم إلى التأويل في الباطن 1/ 63،37.
(8) يُنظر: المصدر السابق / الفصل العاشر في بيان ان شيوخهم أئمة ضلال ودعاة إلى الباطل 1/ 50.
(9) يُنظر: الفصل في الملل والاهواء والنحل لابن حزم / الكلام في سميع وبصير وفي قديم 2/ 117.