المسألة الثانية: تبديعهم لأبي حامد الغزالي - رحمه الله - فقد وجدنا لغير ابن القيم ممن سبقه كلامًا أشد، وأحكامًا وتبديعًا في غاية الصراحة والوضوح، وذمًا يتضاءل أمامه ذم ابن القيم وتبديعه. مثل قول محمد بن علي بن محمد بن حمدين القرطبي (ت 508 هـ) وهو من معاصري الغزالي (( إن بعض من يعظ ممن كان ينتحل رسم الفقه، ثم تبرأ منه شغفًا بالشرعة الغزالية، والنحلة الصوفية، أنشأ كراسة تشتمل على معنى التعصب لكتاب(أبي حامد) إمام بدعتهم، فأين هو من شنع مناكيره، ومضاليل أساطيره المباينة للدين )) [1] . وقول أبي بكر الطرطوشي (ت 520 هـ) الذي عاصر الغزالي وعرفه عن قرب، حيث ذكر في رسالته إلى عبد الله بن مظفر تصوف الغزالي، ودخوله في علوم الخواطر والوساوس، ومزجها بآراء الفلاسفة، حتى كاد ينسلخ من الدين، ثم سقوطه بعد ذلك في مرامز الصوفية عن غير دراية وخبرة وختم بالقول (( فسقط على أم رأسه، فلا في علماء المسلمين قر، ولا في أحوال الزاهدين استقر ) ) [2] .
وكثير من علماء عصره ومن بعدهم لهم كلام فيه وذم وتبديع أشد مما لابن القيم - رحمه الله- [3] .
المسألة الثالثة: تبديعهم لمحمد بن عبد الله بن تومرت المغربي: فإن كثيرًا ممن ترجم له، أو ذكر سيرته وأرخ لدولة الموحدين التي أقامها، أشار إلى ذمه، وإلى شنائع نسبت إليه فكرًا وسلوكًا، حتى وإن لم يصرح بعضهم بتبديعه، لكنهم نسبوا إليه ما يقتضي ذلك وزيادة، كادعائه العصمة لنفسه [4] ، ودجله على الناس بإظهار خوارق مصطنعة ومفتراة ومفتعلة [5] واستباحته دم من شك في عصمته أو خالفه في عقيدته [6] وإنفاق منهجه بالكذب والتلبيس والتدليس وصل إلى حد الكذب في نسبه، وادعاء أنه علوي حسني كما يرى ذلك طائفة من المؤرخين [7] ، كما نقلوا قراءته واعتماده على بعض كتب التنجيم والسحر مثل كتاب الجفر المنسوب إلى علوم أهل البيت [8] .
(1) يُنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي/ 204 - الغزالي أبو حامد 19/ 322.
(2) يُنظر: المصدر السابق /285 - الطرطوشي أبو بكر 19/ 49.
(3) يُنظر: المصدر السابق / 204 - الغزالي أبو حامد 19/ 322، والشفاء بتعريف حقوق المصطفى / فصل في تحقيق القول في إكفار المتأولين 2/ 232، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، ت إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1، 1413 هـ/ ثم دخلت سنة خمس وخمسمائة 9/ 169، وتلبيس إبليس ... لابن الجوزي/ ظهور الصوفية 1/ 149.
(4) يُنظر: تذكرة الحفاظ للذهبي/ 1072 - العبدري 4/ 1274.
(5) كما صنع مع رجل اسمه عبد الله الونشريسي، وجعل منه مبشرا، وأقام حاله - بحيلة - مقام المعجزة [يُنظر: وفيات الأعيان لابن خلكان / المهدي بن تومرت 5/ 45،5/ 52،الكامل في التاريخ لابن الأثير/ ذكر ابتداء أمر ابن تومرت 8/ 654] .
(6) فقد نقل الذهبي عن اليسع في تاريخه وقائع من ذلك شاهدها اليسع او أخذها بالتواتر كما يقول [يُنظر: سير أعلام النبلاء .. للذهبي/ 318 - ابن تومرت 19/ 539، كما ذكر الذهبي في ترجمة القاضي عياض أنه قتل بالرماح لإنكاره عصمة ابن تومت، سير أعلام النبلاءللذهبي /136 - القاضي عياض 39/ 207] .
(7) يُنظر سير أعلام النبلاء .. للذهبي/ 318 - ابن تومرت 19/ 539.
(8) يُنظر: وفيات الأعيان لابن خلكان / المهدي بن تومرت 5/ 45.