وأما النوع الثاني من الجحود: فهو الأكثر انتشارًا بين الأمم المعاصرة للرسل، لا سيما الرؤساء والزعماء، فقد قرر ابن القيم- رحمه الله - (( أن عامة كفر الأمم عن تيقن وعلم، ومعرفة بصدق أنبيائهم، وصحة دعواهم وما جاؤوا به ) ) [1]
كما قرر أن غالب ما يقع هذا النوع فيمن له رياسة علمية في قومه من الكفار، أو رياسة سلطانية، أو من له مأكل وأموال في قومه [2] ، وهذا النوع الأخير من الجحود هو المشار إليه في قوله- رحمه الله- في النونية:
فالكفر ليس سوى العناد ورد ما جاء الرسول به لقول فلانِ [3]
ومعلوم أن العناد يكون في الغالب عن علم وتصديق.
والخلاصة: بناءً على ما سبق نقله يمكن القول بأن الكفر عند ابن القيم- رحمه الله- يراد به جحد ما عُلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جاء به، إما بعدم التصديق والاعتقاد، وإما بانتفاء الإذعان والانقياد، سواءً كان في المسائل العلمية أو العملية.
المطلب الثاني:
مفهوم البدعة عند ابن القيم
ينقل الإمام ابن القيم عن الشافعي تعريفًا موجزًا للبدعة قال فيه )) والبدعة ما خالف كتابًا أو سنة أو أثرًا عن بعض أصحاب رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - .. )) ثم قال عقب ذلك (( فجعل ما خالف قول الصحابي بدعة ) ) [4] .
ومن خلال هذا النقل وما علق به ابن القيم على كلام الشافعي- رحمهما الله -، وما قرره من اتفاق الأئمة، يتبين أن البدعة تعرف بمخالفة الوحيين، أو بمخالفة ما عليه الصحابة - رضي الله عنهم -، فتكون البدعة عنده على وفق هذا النقل والتقرير: هي ما اشتملت على واحدةٍ أو أكثر من هذه الثلاث 1) مخالفة الكتابِ 2) مخالفة السنة 3) مخالفة ما عليه الصحابة - رضي الله عنهم -.
وقال - رحمه الله -في شفاء العليل (( والعبد يسمى مبتدعًا لكونه أحدث قولًا لم تمض به سنة، ثم يقال لمن اتبعه عليه مبتدع ) ) [5] فكل قول أو فعلٍ لم تمضِ به سنة فهو بدعة، والسنة يراد بها هنا دليل من كتابٍ أو سنةٍ أو أثر عن الصحابة - رضي الله عنهم -.
(1) مفتاح دار السعادة لابن القيم 1/ 332.
(2) المصدر السابق 1/ 331.
(3) القصيدة النونية لابن القيم 2/ فصل رغبة قائلها إلى من يقف عليها، ص 361.
(4) إعلام الموقعين لابن القيم / قول الشافعي في الصحابة وآرائهم 2/ 151.
(5) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل، لابن القيم، ت أحمد الصمعاني وعلي العجلان، دار الصميعي، ط 1، 1429 هـ / فصل: فالطوائف كلها متفقة على الكسب 2/ 795.