فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 264

المنهى، ولكن لا صبر لي عنه، فهذا لا يعد كافرًا بذلك، ولا حكمه حكم الأول، فان هذا مطيع من وجه، وتارك المأمور جملة لا يعد مطيعًا بوجه )) [1]

ويرى ابن القيم أن من أقر بالنبوة والرسالة ولم يتابع لم يكن ناجيًا من الكفر، بل لا بد للإيمان عنده من المتابعة والمحبة وإلا كان اليهود الذين أقروا بنبوته ولم يتبعوه مؤمنين، وهذا إلزام لا محيد عنه [2] . وبالرجوع إلى كلامه بطوله في مفتاح دار السعادة يمكننا التعرف على منهج ابن القيم في هذه المسألة حيث يرى أولًا: أن الكفر المخرج من الملة يتحقق بترك عمل القلب، (الذي هو حبه لله ورسوله وانقياده والتزام طاعته ومتابعة رسوله) ، ولا ينفعه حينئذ تصديقه وإقراره بصحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا الترك نوع من أنواع الإعراض. ثانيًا: أن هذا القول قول متفق عليه بين الصحابة والتابعين، وأئمة السنة، وهذا معناه تحقق الإجماع في المسألة عند ابن القيم، مما يعني ضلال من يرى عكس ذلك، ممن يرى أنه يكفي في الإيمان إقرار اللسان ومعرفة القلب. ثالثًا: أن كفر المعرض الذي ترك عمل القلب من الحب والانقياد والتزام الطاعة من أشد أنواع الكفر، لأنه قال عنه (( كان من أكفر الكفار ) )وفي موضع ثان اعتبره هو وكفر الجحود كفرًا أغلظ، وعامة كفر الأمم منه [3] . وأعلى ما يكون الإعراض بحسب ما ذكره ابن القيم، حينما يعرض العبد عن العلم والعمل معًا، فلا يلتفت إلى الحجة ولا يريدها ولا يعمل بها بتاتًا، وهذا لا يكون إلا مع إعراض القلب عن الرسول، فلا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، وبالتالي لا يصغي إليه البتة [4] كما فعل أحد بني عبد ياليل [5] .

الفرع الثالث: عدم الرد إلى الله وإلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتحاكم إلى شرعه:

ذلك أن هذا الرد مرتبط بالإيمان ارتباطًا وثيقًا، وهما عند ابن القيم متلازمان وقرينان إذا ذهب أحدهما ذهب الآخر حتمًا، كما يدل عليه قوله (( والمقصود أن أهل الإيمان لا يخرجهم تنازعهم في بعض مسائل الأحكام عن حقيقة الإيمان، إذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، كما شرطه الله عليهم بقوله {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخرِ} [6] ولا ريب أن الحكم المعلق على شرط ينتفي عند انتفائه ) ) [7] . ومعنى ذلك أن الإيمان ينتفي بانتفاء الرد إلى الله وإلى الرسول، ويستدل على ذلك بقول الله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ

(1) الفوائد لابن القيم / فصل الزهد أقسام .. ، ص 279.

(2) يُنظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم / فصل أقسام الكفر، ص 329 - 330.

(3) يُنظر: المصدر السابق / فصل العلم هل هو صفه فعلية ام انفعالية 1/ 330.

(4) طريق الهجرتين لابن القيم / الطبقة السابعة عشر، ص 607، مدارج السالكين لابن القيم / فصل أنواع الكفر 1/ 338.

(5) سبق التعريف بهم في مبحث درجات الكفر وأنواعه من الفصل الأول, ص 50.

(6) النساء: 59.

(7) إعلام الموقعين لابن القيم / فصل التنازع في بعض الأحكام .... 1/ 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت