وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة )) [1] وقد جعل شركهم أعلى وأعظم من شرك عباد الأصنام المقرين بالله وصفاته لكن عبدوا معه غيره، أي أن المشرك عند ابن القيم أهون وأقل كفرًا من الجهمي الغالي المعطل للذات والصفات، ولما كان التجهم المحض مناقضًا تمام المناقضة للتوحيد وللإسلام ككل، لم يكن أهله في الحقيقة إلا منافقين مكذبين للرسول - صلى الله عليه وسلم - بخلاف من اغتر بهم ولم يعرف حقيقتهم كاملة ووقع في شيء من أقوالهم وأفعالهم .. ، فحكمه يختلف عند ابن القيم يدل على ذلك قوله رحمه الله (( قال شيخ الإسلام وهذا الكلام الذي قاله الإمام عبدالرحمن بن مهدي قد قاله غيره، وهو كلام عظيم، فإن هاتين الفرقتين هما أعظم الفرق فسادًا في الدين وأصلهما من الزنادقة المنافقين، ليستا من ابتداع المتأولين مثل قول الخوارج والمرجئة والقدرية، فإن هذه الآراء ابتدعها قوم مسلمون ... بخلاف الرفض والتجهم فإن مبدأهما من قوم منافقين مكذبين لما جاء به الرسول مبغضين له، لكن التبس أمر كثير منهم على كثير من المسلمين الذين ليسوا بمنافقين ولا زنادقة، فدخلوا في أشياء من الأقوال والأفعال التي ابتدعها الزنادقة والمنافقون ) ) [2] .
قد سبق ابن القيم علماء كثيرون صرحوا بتكفير الجهمية ولاسيما الغلاة، كما سبقه علماء أوردوا العدد الكثير من النقولات السلفية المصرحة بأن الجهمية كفار لا يؤاكلون ولا يشاربون ولا يناكحون، ومن أولئك العلماء:
1 -عبدالله بن أحمد بن حنبل فقد نقل في كتابه السنة إكفار الجهمية عن إبراهيم بن طهمان وسفيان الثوري، وابن المبارك، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وحماد بن زيد، ومعتمر بن سليمان، ويزيد بن هارون، وآخرين في أكثر من سبعين رواية [3] .
2 -أبوبكر محمد بن الحسين الآجري [4] في كتابه الشريعة, فقد خصص بابًا نص في ترجمته أن القرآن كلام الله تعالى، وأن كلامه ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، ثم ساق روايات كثيرة في ذلك عن جمع من أئمة الدين وعلماء الملة في تكفير الجهمية بالعموم، بل وتكفير أعيان منهم كما كفر الشافعي حفص الفرد [5] .
(1) الجواب الكافي لابن القيم / فصل: وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال .. ، ص 151، ويُنظر في معرفة حقيقة التعطيل الذي يقول به غلاة الجهمية مدارج السالكين لابن القيم / فصل: قال صاحب المنازل - رحمه الله - اليقين مركب الاخذ في هذا الطريق، ص 401 - 402.
(2) الصواعق المرسلة ... لابن القيم /الوجه الخامس والتسعون بعد المائة إنه كيف يكون النفاة المعطلة ... 4/ 1404 - باختصار.
(3) يُنظر: السنة لعبدالله بن أحمد بن حنبل، ت محمد سعيد القحطاني، دار ابن القيم - الدمام - ط 1،1406 هـ / الجهمية كفار والقدرية كفار 9 - 22.
(4) هو محمد بن الحسين بن عبدالله أبوبكر الآجري نسبة إلى آجر من قرى بغداد فقيه ومحدث وصاحب تصانيف كثيرة، كان ثقةً عالمًا دينًا صدوقًا خيرًا عابدًا، صاحب سنة واتباع، حدث ببغداد قبل عام ثلاثين وثلاثمائة، ثم انتقل منها إلى مكة، وأقام بها ثلاثين سنة، ولذا يقال عنه: شيخ الحرم الشريف، روى عنه جماعة منهم أبو نعيم الأصبهاني، ومن تواليفه: كتاب الشريعة وكتاب الرؤية، وكتاب الغرباء، عمّر قرابة الثمانين ثم مات بمكة في المحرم سنة (360 هـ) [يُنظر صفة الصفوة، لعبد الرحمن بن علي الجوزي، ت محمود فاخوري، دار المعرفة، ط 3، 1405 هـ 2/ 470، وفيات الأعيان 4292، وسير أعلام النبلاء للذهبي 16/ 133، وطبقات الشافعية الكبرى للشعراني 3/ 93، والأعلام للزركلي 6/ 97] .
(5) يُنظر: الشريعة للآجري، القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر 1/ 214 - 231.