والرافضة ونحوهم لا تقبل وإن صلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا، قال اللخمي: ذلك لفسقهم، قال ولو كان ذلك عن تأويل غلطوا فيه) [1] .
ومقتضى هذا الكلام أن القدرية المنكرين للعلم ليسوا داخلين في مفهوم القدرية إذا أطلق، وإلا لكان استثناهم من عموم القدرية الذين ذكرهم، لأنهم عنده كفار بلا خلاف، وليس غلطهم من جنس غلط الخوارج، بينما هو في النقل السابق يجعل القدرية دون الجهمية، ويجعل غلطهم كغلط الخوارج، بل ينقل عن وكيع اعتبارهم أقل شرًا من
الخوارج والرافضة، مما يدل على عدم تكفيرهم، وأن المراد بهم غير المنكرين للعلم.
وهذا هو أول تنبيه يشار إليه هنا: وخلاصته أن لفظ القدرية في الغالب إذا أطلق في كلام ابن القيم، وفي كلام كثير من أئمة السلف، فلا يدخل فيه الغلاة المنكرون للعلم، ولذا لا عجب أن ينقل عدم تكفير القدرية في كثير من النقول، ولا يتعارض ذلك مع ما نقل من إجماع السلف على التكفير .. لأنه مختص بفرقة الغلاة المنكرين للعلم.
التنبيه الثاني: أن الفرقة الغالية من القدرية الذين نقل إجماع السلف على تكفيرهم فرقة لا وجود لها في العصور المتأخرة، حيث وجدت في أول ظهور للانحراف في باب القدر، ثم انقرضت كما يدل عليه ظاهر كلام ابن القيم نفسه، لأن تسميته لهم سلف القدرية يقتضي عدم وجود أحد من متأخريهم على هذا المذهب، فاختص الحكم بهم دون المتأخرين، كما نص آخرون من العلماء على انقراضهم منهم القرطبي [2] والنووي [3] .
يكفي في ذلك تلك المقولة الشهيرة (( ناظروهم - أي القدرية - بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن جحدوا كفروا ) )التي قالها كثير من أئمة العلم والدين أو قال قريبًا من معناها، نوضح ذلك في الآتي:
أ) نسبت هذه المقولة للإمامين الشافعي وأحمد - رحمهما الله تعالى - [4] .
ب) نسبها ابن رجب إلى كثير من أئمة السلف قائلًا (( وقد قال كثير من أئمة السلف: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه فقد كفروا ) ) [5] .
ج) صرح ابن تيمية بأن المنكرين للعلم من القدرية كفار كفرهم الأئمة الشافعي وأحمد وغيرهما [6] ، ونقله عن مالك أيضًا [7] .
(1) كتاب الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم 1/ 465 - 466.
(2) كما نقله عنه ابن حجر في الفتح [يُنظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري / سؤال جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان والإسلام 1/ 80] .
(3) يُنظر: شرح صحيح مسلم للنووي/ باب بيان الايمان والإسلام والإحسان 1/ 70.
(4) يُنظر شرح العقيدة الطحاوية، للإمام علي بن أبي العز، ت محمد ناصر الدي الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، ط 8، 1404 هـ / الإقرار بالربوبية أمر فطري والشرك، ص 271، وتحفة الطالب والجليس في كشف شبه داوود بن جرجيس، لعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ت عبد السلام آل عبد الكريم، ط 1، 1408 هـ 1/ 35، والدرر السنية في الكتب النجدية قسم الفقه 17/ 204.
(5) جامع العلوم والحكم (شرح الأربعين لابن رجب) ، الحديث الثاني 1/ 103.
(6) يُنظر: مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية، استفتاء شيخ الإسلام في العرش 4/ 12.
(7) يُنظر: كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه، وقال شيخ الإسلام 23/ 349 ابن عربي 1/ 235.