فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 264

الفرع الثالث: الضعف والتدهور في الحالتين الدينية والاجتماعية:

فرغم ما أشرنا إليه في النقطة الأولى من مظاهر النهضة العلمية، والنشاط في التدوين، وانتشار المدارس، وبروز العديد من الأئمة الكبار في مختلف الفنون، ورغم وجود العاطفة الدينية العالية .. إلا أن هناك ترديًا ملحوظا في الجانب الديني والاجتماعي .. تدل عليه مسألتان:

المسألة الأولى: ظهور أخبث المذاهب والفرق الضالة ورواج كثير من آرائها وأفكارها:

وهذه لا شك أخطر من ظهور المعاصي واتباع الشهوات، فقد راجت في تلك الحقبة المذاهب الفلسفية وظهر أمثال الملحد نصير الدين الطوسي (ت 669 هـ) ، وأصحاب الحلول والاتحاد من أمثال ابن عربي (ت 638 هـ) والتلمساني (ت 690 هـ) وابن هود (ت 669 هـ) وابن الفارض (ت 632 هـ) ، ويذكر ابن كثير ظهور مجموعة من الزنادقة في عصر ابن تيمية والحكم بالإعدام على أحدهم لما ظهر منه من استهتار بآيات الله [1] كما برزت الفرق الباطنية والإسماعيلية، كالنصيرية الذين قويت شوكتهم، وعظم أمرهم وشرهم، حتى خرجوا في سنة (717 هـ) وادعوا الألوهية لعلي، واستولوا على مدينة (جبلة) [2] وعاثوا فيها فسادًا، وفعلوا بأهلها الأفاعيل [3] .

وأما الرافضة فحدث ولا حرج عن ظهورهم في تلك الفترة، واتصالهم بالملوك والخلفاء، ولم تكن نكبة بغداد إلا على يد أحد زعمائهم الذي كان وزيرًا لآخر خليفة عباسي في بغداد، وهو الوزير الرافضي ابن العلقمي (ت 657 هـ) ، الذي كان على يده تسهيل دخول التتار، وسقوط بغداد وقتل الخليفة سنة 656 هـ [4] .

واستمر ظهور الرافضة وبروز فتنتهم واستمالتهم لبعض الملوك إلى زمان ابن القيم وما بعده، وفي زمان ابن القيم وشيخه ابن تيمية، استطاعوا استمالة أحد زعماء التتار الذين أسلموا، وتحويله إلى النحلة الرافضية، وهو الملك (أو لجايتو) الذي كان نصرانيًا، ثم اعتنق الإسلام وتسمى محمد خرابندة، ثم أظهر الرفض عام (709 هـ) [5] .

وكان يصل الأمر في بعض الأحيان إلى المجاهرة بالرفض وسب الصحابة ولعن الشيخين [6] ، وقد ظهر في تلك الفترة علماء روافض صنفوا المصنفات في إثبات عقيدتهم والدعوة إليها، منهم ابن المطهر الحلي (ت 726 هـ) [7] الذي عاصر ابن تيمية، وألف (منهاج الاستقامة) وأودع فيه شبهات كثيرة لدعم بدعته ونشرها

(1) يُنظر: البداية والنهاية لابن كثير / ثم دخلت سنة ست وعشرين وسبعمائة 18/ 266.

(2) لعلها إحدى مدن الشام القريبة من طرابلس، حيث ذكر ابن كثير في أحداث سنة ثلاث وخمسمائة أخذ الفرنج مدينة طرابلس ثم بعدها أخذوا جبلة يُنظر: (البداية والنهاية / ثم دخلت سنة ثلاث وخمسمائة 16/ 207) وقد ذكرها ابن خلدون فقال: كانت جبلة من أعمال طرابلس .. (تاريخ ابن خلدون، لعبد الرحمن ابن خلدون، ت سهيل زكار، دار الفكر، ط 1 1401 هـ 5/ 212) وضبطها بفتح الجيم والباء.

(3) يُنظر: البداية والنهاية لابن كثير / صفحة خروج المهدي الضال بأرض جبلة 18/ 168.

(4) يُنظر: المصدر السابق / ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة 17/ 357 وما بعدها.

(5) يُنظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر / الباب الثالث: دول المغول 7/ 178.

(6) يُنظر: البداية والنهاية لابن كثير/ ثم دخلت سنة خمس وخمسين وسبعمائة: نادرة من الغرائب 18/ 560.

(7) يُنظر: المصدر السابق / ابن المطهر الشيعي 18/ 271.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت