فتداعوا إلى حربهم تداعي الأكلة إلى قصعتها )) [1] وبالجملة جنايات التأويل الفاسد وما يتفرع عنه تربو على الحصر [2] .
والخلاصة مما سبق أن سوء الفهم عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بذرة فاسدة أنبتت تلك الشجرة الخبيثة شجرة التأويل الفاسد التي تفرع عنها أغصانٌ بعضها أخبث من بعض: فالقياس الفاسد غصن، واتباع المتشابه والعدول عن المحكم غصن, وتحريف الكلم عن مواضعه غصن ... إلى آخر ما هناك من أغصانٍ وفروعٍ لا تزال تتخطف الألوف من الناس جيلًا بعد جيل، وتوقعهم في شرورٍ وضلالات، وتغيير وتبديل.
المطلب الثاني:
الأسباب العدمية
وفي الفروع الآتية توضيح لأهمها:
الفرع الأول: عدم التسليم للوحي
ويعرف عدم التسليم للوحي إما بمعارضته بالرأي أو الذوق وإما بتقديم العقل عليه, وفي عصرنا ظهر ما يعرف بتقديم المصلحة على النص سيفًا جديدًا أراد العلمانيون وأذنابهم المستترون تسليطه على أحكام الشريعة لإلغائها، وتفريغها من محتواها، وانتزاع قداسة النص، واعتباره مجر د تراث، لتصبح المصلحة إلاهًا جديدًا يتخذه خصوم الإسلام الداخليون بدلًا من العقل الذي اتخذه الأولون، ويتسترون وراءه لإخفاء عداوتهم الفجة للإسلام وأحكامه .. وعليه فلا فرق أبدًا بين ما افتعله سلفهم الخبيث من معركة وهمية بين العقل والنقل، وما افتعله هؤلاء من معركة بين المصلحة والنص .. فمرد المعركتين إلى ما حكاه الله بقوله (( أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً? فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُون ) ) [3] فالصنم في المعركتين واحد ألا وهو الهوى لكنه تجسد في الماضي في تمثال سموه (العقل) ، وتجسد في الحاضر في تمثال آخر سموه (المصلحة) .. والهدف من ذلك كله إخفاء حقيقة المعبود .. والظهور بمظهر من يريد تحقيق مقصود الشارع الحكيم [4] .
(1) الصواعق المرسلة / الفصل العاشر في أن التأويل من التعطيل ... 1/ 298.
(2) ولو لم يكف من جناياته إلا الوقوع في اتباع التشابه، الذي لا يقع فيه إلا أهل الزيغ، ولا يكاد يسلم مبتدع من ذلك عند ابن القيم، بدلالة قوله في كتاب (الروح) (( فأما ما أتوا به من اتباع متشابه القرآن، والعدول عن محكمه، فهذا شأن كل ضال ومبتدع ) ) [الروح / فصل وأما ما احتج به هذه الطائفة ... 2/ 463] .
(3) الجاثية: 23.
(4) ينظر في الرد على هؤلاء المعارضين بين المصلحة والنص: كتاب (( العصرانيون ) )لمحمد حامد الناصر (مكتبة الكوثر - الرياض، ط 2، 1422 هـ) تحت عنوان: الثابت والمتغير في الشريعة ص 249 وما بعدها، وكتاب (( المدخل المقاصدي والمناورة العلمانية ) )للدكتور أحمد إدريس الطعان، فقد بين في المبحث الأول الأقنعة التي تستر العلمانيون وراءها ومنها قناعا: المقاصد والمصلحة، محتجين في الأول بكلام مجتزأ مبتور للإمام الشاطبي، وفي الثاني برأي شاذ لنجم الدين الطوفي المتهم بالرفض والتشيع (ت 716 هـ) [ينظر من الكتاب ص 4 - 10] ثم رد عليهم في المبحث الثاني (ص 17 - 51) ، وقد ذكر المؤلفان في الكتابين المذكورين عددًا من القائلين والداعين إلى تقديم المصلحة على النص سواء كانوا من العلمانيين: مثل: محمد عبيد الجابري، ومحمد شحرور، ونوال السعداوي، وحسن حنفي، وأركون والعشماوي والصادق بلعيد وغيرهم أو ممن يسمون أنفسهم باليسار الإسلامي مثل: فهمي هويدي، ومحمد عمارة، وحسن الترابي، وعبد المنعم النمر، ومحمد سليم العوا .. وآخرين.