تمهيد
سميناها أساسية لأنها من حيث الجملة متفق عليها، ومنصوص على رفع القلم عن أصحابها كما في حديث أبي ذر - رضي الله عنه - وابن عباس - الشهير - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) ) [1] ومعظم ما سيذكر راجع إليها، وداخل في مفهومها، فالخطأ والنسيان يجمعهما عدم القصد، فيدخل الجهل والتأويل وسبق اللسان خطأً في مضمون ذلك، ثم نص على الإكراه على وجه الخصوص، رغم اشتراكه مع ما سبق في عدم القصد.
إذن سنبدأ بأربعة موانع تتصدر ما يذكره العلماء من عوارض الأهلية .. في المطلبين الآتيين:
المطلب الأول:
الجهل والتأويل
والجهل والتأويل يرجعان إلى انتفاء العلم أو نقصه، إما انتفاءً مطلقًا مع عدم وجود غيره وهذا هو الجهل، أو انتفاءً نسبيًا بأن ينتفي العلم الصحيح لوجود الشبهة وهذا هو التأويل، وأبرز مثالٍ تحدث عنه العلماء ومنهم ابن القيم مثال الرجل الذي أوصى أبناءه أن يحرقوه ويسحقوه ويذروه مع الريح إذا هو مات، حتى لا يقدر الله على بعثه، فلاشك أن هذا الرجل جحد صفةً من صفات الله، وهي قدرته على جمعه بعد الإحراق، وجحد بعثه بعد موته في حالة إحراقه وسحقه وذره مع الريح، ومع ذلك عذره الله لجهله، وهكذا المتأول، لأن ابن القيم جمع بينهما عند كلامه على قصة هذا الرجل، واستنبط من القصة قاعدةً قرر فيها العذر بالجهل أو التأويل في بعض حالات الجحود لفرضٍ من فروض الإسلام، أو تحريم محرم من محرماته، أو جحد صفةٍ من صفاته أو خبر أخبر الله به، حيث قال (( وأما جحد ذلك جهلًا أو تأويلًا يعذر فيه صاحبه: فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه، ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا أو تكذيبًا ) ) [2] .
ففًّرق ابن القيم - رحمه الله - في هذا النص بين الجحود الذي يكون عن جهل أو تأويل، وبين الجحود عنادًا وتكذيبًا، وإذا كان الجهل أو التأويل مانعين من إنزال الكفر على المعين في باب الجحود، وهو من أعظم أنواع الكفر فمن الممكن إعذاره في الأنواع الأخرى من أنواع الكفر لاسيما كفر العمل.
ومن أعظم الأبواب التي نص ابن القيم على عذر الجاهل فيها باب الأسماء والصفات، فقد ينكر المرء اسمًا من أسماء الله أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب أو السنة، لكنه لم يعلم بذلك الدليل المثبت لها ولم ينته الخبر إليه، فلا يكفر بمجرد الإنكار مادام جاهلًا بها، وعلل ذلك ابن القيم - بحسب ما نقله عن الشافعي
(1) أخرجه ابن ماجه / طلاق المكره والناسي، رقم (2033 و 2035) ، والدارقطني / 25 - النذور، رقم (4399) وقال الألباني: صحيح لطرقه (مشكاة المصابيح، رقم 6284) .
(2) مدارج السالكين ... لابن القيم / فصل وكفر الجحود نوعان: كفر مطلق عام 1/ 338 - 339.