فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 264

مع تعظيمهم في ذلك لمعاصي الله تعالى, وتعظيمهم لله تعالى بتكفير عاصيه، فلا يأمل المكفر أن يقع في مثل ذنبهم، وهذا خطر في الدين جليل، فينبغي شدة الاحتراز فيه من كل حليم نبيل )) [1] .

ب- ومن ذلك كلام الإمام الشوكاني- رحمه الله- في قوله (( اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ... ) ) [2] ثم سرد ألفاظًا للحديث و عقب عليها بالقول (( ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير ) ) [3] .

ج- ونختم هذه النقولات بما قرره الإمام أبو حامد الغزالي بقوله - رحمه الله - (( والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلًا، فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد ) ) [4] وبهذه النقولات يتبين التوافق بين ابن القيم وغيره من العلماء في التحذير من التسرع في التكفير والأمر بلزوم الورع والاحتياط، وقد سبق عند تقرير أن الحكم بالكفر أو البدعة حق خالص لله ثم لرسوله ذكر نقولات لهؤلاء العلماء ولغيرهم .. تؤكد هذا المعنى.

فأين اليوم من يجازف في تكفير الناس من منهج أولئك العلماء الذين حذروا كل التحذير من التكفير والتبديع للناس لمجرد المخالفة لما يرونه؟؟!!

المطلب الثالث:

إجراء أحكام الناس على الظاهر مالم يعارضه ما هو مثله أو أقوى منه

وبيان هذا المطلب في الفروع الآتية:

الفرع الأول: الأصل الذي تبنى عليه الأحكام على الغير هو الاعتبار بالظاهر:

فمن أظهر خيرًا حُكم عليه بمقتضاه، ومن أظهر شرًا حُكم عليه بموجبه، وأما السرائر والبواطن فلا يعلم بها إلا العليم الخبير، ولا يحيط بما فيها إلا الله الذي هو بكل شيءٍ محيط، وعلى هذا الأصل بنيت فروع كثيرة لا حصر لها من الشريعة، وأُجريت أحكامٌ كثيرة يصعب الإحاطة بها.

وأبرز ما يدل على ذلك حكم الشريعة في المنافقين الذين يبطنون الكفر، ويظهرون الإسلام، ومع ذلك كما يقول ابن القيم - رحمه الله - (( فإن الله أقر المنافقين وعصم أموالهم وأولادهم بالإسلام الظاهر، وتولى سرائرهم ) ) [5] ويذكر ابن القيم بعض الفوائد المستفادة من غزوة تبوك، وكان منها قوله (( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

(1) إيثار الحق على الخلق لابن الوزير / فصل من ذكر من يقول بالرجاء 1/ 403.

(2) سبق تخريجه ص 40.

(3) السيل الجرار للشوكاني / فصل الردة وأحكامها 3/ 784.

(4) التفرقة بين الإيمان والزندقة للغزالي [نقله عنه الحافظ في فتح الباري - تعليق ابن باز 12/ 300] .

(5) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم/ فصل في أن لذة النظر إلى وجه الله ... 1/ 51، ويُنظر: زاد المعاد لابن القيم 3/ 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت