ذكره العلماء وهو ما صدر عن حاطب بن أبي بلتعة من إبلاغ قريش بمسير النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم [1] .. وفي ذلك تجسس وموالاة للكفار تحتمل التكفير وتحتمل غيره، ولذا استفسر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتأكد من قصده فإن الموادة للكفار قد تكون لدينهم .. فهذا كفر لا شك فيه وقد تكون لرحم أو حاجة فتكون ذنبًا ولا تكون كفرًا - كما ذكر ابن تيمية - وعلى الحالة الثانية حمل ما صدر من حاطب [2] .
والخلاصة مما سبق أن ابن القيم يرى:
1)وجوب الاحتياط في تكفير المعين وتبديعه، لأنهما حكمان شرعيان، والأحكام الشرعية مبناها على الاحتياط، وأساس ذلك في هذا الباب التأكد من وجود الدليل القاطع بكفر هذا المعين أو ابتداعه، ولا يكون قاطعًا إلا بأمرين:
الأول: وجود الدليل الشرعي السمعي اليقيني بأن ما وقع فيه هذا المعين كفر أو بدعة.
الثاني: وجود القرائن الدالة على أن المعين صدر منه ذلك الكفر أو البدعة في حال لا يحتمل إلا التكفير أو التبديع، أما إن كان الحال محتملًا أمسكنا عن التكفير أو التبديع حتى نرجح أحد الاحتمالين.
2)التسرع في التكفير والمبادرة إليه بدون علمٍ ولا برهانٍ لا يكون إلا من جاهلٍ ظالمٍ، وأعظم من يتصف بذلك هم أهل الأهواء والبدع.
وليس هذا هو رأي ابن القيم وحده، بل هو رأي عامة العلماء المحققين من السلف والخلف، ويمكن عرض بعض أقوالهم في النقطة الآتية:
أقوال العلماء في ذلك:
أ- قول ابن الوزير - رحمه الله - (( وكم بين إخراج عوام فرق الاسلام أجمعين وجماهير العلماء المنتسبين إلى الإسلام من الملة الاسلامية، وتكثير العدد بهم، وبين إدخالهم في الاسلام ونصرته بهم وتكثير أهله وتقوية أمره، فلا يحل الجهد في التفرق بتكلف التكفير لهم بالأدلة المعارضة بما هو أقوى منها أو مثلها مما يجمع الكلمة، ويقوي الإسلام ويحقن الدماء، ويسكن الدهماء، حتى يتضح كفر المبتدع اتضاح الصبح الصادق، وتجتمع عليه الكلمة وتحقق إليه الضرورة ) ) [3] .
ثم أشار إلى كون التكفير بدون حق ذنبًا عظيمًا يستحق أشد العقوبات، وأنه خطر جليل يجب شدة الاحتراز منه والبعد عنه فقال (( قد عوقبت الخوارج أشد العقوبة، وذمت أقبح الذم على تكفيرهم لعصاة المسلمين
(1) قصة حاطب بن أبي بلتعة أخرجها أحمد / مسند علي بن أبي طالب، رقم (54) ، (600) ، (827) ، والبخاري / باب الجاسوس، رقم (2785) ، ومسلم / من فضائل أهل بدر وقصة حاطب، رقم (4550) .
(2) يُنظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية / شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة ولا تتلازم عند الضعف 7/ 523.
(3) إيثار الحق على الخلق، لمحمد بن إبراهيم الوزير اليماني، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 2، 1418 هـ 1/ 402.