يكفي أن ابن القيم يسمي المعتزلة لا سيما المتأخرين منهم جهمية، وقد سبق الحكم على الجهمية والتجهم في النقطة السابقة، كما نص على ذلك في النونية، ونص على وقوعهم في الكفر الذي كفر به العلماء الجهمية [1] .
ومثل ذلك أو قريب منه ما ذكره من دخول التجهم في مذهب المعتزلة حين وقعوا في التعطيل، بعد أن كان مذهبهم واعتزالهم مختصا بما أحدثوه من انحراف في مسألة الإيمان، ثم مسألة الأفعال، (( وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة فيما يفعله الله .. فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات ) ) [2] .
وكثيرًا ما يقرن ابن القيم بين الفرقتين إما بادئًا بالمعتزلة ثم الجهمية- حين يرتب الفرق تصاعديًا، وإما العكس حين يرتبهم تنازليًا - فمن الأول قوله (( وكذلك لو شرط أن يكون المقيمون بهذه الأمكنة طائفة كالشيعة والخوارج والمعتزلة والجهمية والمبتدعين في أعمالهم .. ) ) [3] لكنه مع تصريحه بوقوعهم فيما وقع فيه الجهمية من التعطيل في الصفات لم يجزم بتكفيرهم بل ظاهر كلامه أنهم في دائرة الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر [4] - وإن كان لمزهم بفسق الاعتقاد - لما هم فيه من البدعة والضلال، والحاصل من ذلك أنهم في المرتبة الثانية بعد الجهمية، لذا يذكرهم أولًا ثم يذكر الجهمية، ومثاله أيضًا ما في كلامه عن الرأي الباطل وأنواعه حيث تكلم عن النوع الثالث منه وهو (( الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلال من الجهمية والمعتزلة والقدرية ومن ضاهاهم ) ) [5] والترتيب هنا تنازلي، حيث بدأ بالأخطر.
(1) ومن أمثلة ذلك قوله في النونية:
لكنما متأخروهم بعد ذا ... لك وافقوا جهمًا على الكفران
فهم بذا جهمية أهل اعتزا ... ل ثوبهم أضحى له علمان
ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان
واللالكائي الإمام حكاه عن ... هم بل حكاه قبله الطبراني [القصيدة النونية لابن القيم / فصل في مذاهب القائلين بأنه متعلق بالمشيئة والإدارة، ص 42] .
(2) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم / الباب الأول في بيان وجود الجنة الآن، ص 14.
(3) اعلام الموقعين لابن القيم / فصل دخول الكفارة يمن الطلاق 6/ 84.
(4) وقد صرح في موضع آخر بعدم تكفيره للمعتزلة. [يُنظر: كتب الطرق الحكمية لابن القيم / فصل الطريق السادس عشر 1/ 461] .
(5) إعلام الموقعين لابن القيم /فصل الرأي على ثلاثة أنواع 2/ 126.