فهرس الكتاب
تهميد
من المعلوم أننا بحاجة إلى هذه الضوابط التي تمثل شروطًا أساسية لصحة تكفير المعين وتبديعه وبدونها يحصل لخبط والخلط .. إما من جهة عدم فهم النصوص المقتضية للتكفير أو التبديع، أو من جهة الغلط في تفسير كلام المعين، أو من جهة الاستعجال في تكفير أو تبديعه قبل تحقق الشروط وانتفاء الموانع ... وعليه سيكون تحت هذا المبحث ثلاثة مطالب:
المطلب الأول:
إطلاقات لا يلزم منها التكفير أو التبديع للمعين
وهذا من أهم الضوابط في باب تكفير المعين وتبديعه، وهو الذي يضبط لنا فهمنا لنصوص التكفير والتبديع فإن هناك إطلاقات تحتمل التكفير أو التبديع وتحتمل غيره .. فلا يصح الاستناد إليها لآن دليل التكفير والتبديع لابد أن يكون قطعيًا كما سبق، وأكثر الأمثلة التي سنذكرها هي في التكفير وعليها يقاس التبديع، ومن تلك الإطلاقات التي لا يلزم منها التكفير أو التبديع في كل حال نظرًا لأنها تحتمل تكفيره أو تبديعه وتحتمل غير ذلك ما سيأتي شرحه في الفروع الآتية:
الفرع الأول: الوقوع في مطلق الشيء أو الاتصاف به لا يلزم منه الوقوع في الشيء المطلق:-
وتوضيح ذلك في هذا الباب أن من وقع في مطلق الكفر لا يلزم منه الوقوع في الكفر المطلق، ومن وقع في مطلق الابتداع لا يلزم منه الوقوع في الابتداع المطلق، فالحلف بغير الله مثلًا وقوع في مطلق الكفر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه كفرًا [1] ، لكنه ليس وقوعًا في الكفر المطلق لأن الكفر المطلق، مخرج من الدين.
ويمكن أن نعبر عن هذه القاعدة بتعبير ابن القيم - رحمه الله - حين قال (( فصل في أنه لا يلزم من القيام بالجزء التسمية بالكل ) ) [2] وساق كلامًا نفيسًا وخلاصة ذاك عنده: أن العبد قد تقوم به شعبة من شعب الإيمان، فلا يلزم من ذلك أن يسمى مؤمنًا وإن كان ما قام به إيمانًا، وقد يقوم به جزء من أجزاء العلم ولا يسمى عالمًا، وقد يعرف بعض مسائل الفقه والطب ولا يسمى فقيهًا ولا طبيبًا، بل قد يطلق الفعل على العبد فيقال من فعل كذا فقد كفر ولا يستحق بذلك اسم كافر على الإطلاق، ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم - (( فمن تركها فقد كفر ) ) [3] وقوله: (( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) ) [4] وإن كان رجح في الأولى أنه كفر أكبر أي كفر مطلق، ولكنه رجح ذلك ليس بمجرد ظاهر اللفظ أو بمجرد إطلاق الفعل في الحديث، وإنما لشيء آخر وهو النظر في العمل الذي
(1) وذلك في قوله - عليه الصلاة والسلام - (( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) )أخرجه أحمد / مسند عبد الله بن عمر رقم (6072) 10/ 249، والترمذي /باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله رقم (1615) .
(2) الصلاة وحكم تاركها لابن القيم / فصل وهاهنا أصل آخر وهو أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان، ص 48.
(3) سبق تخريجه ص 137.
(4) سبق تخريجه في الهامش رقم 1 من هذه الصفحة.