مركبًا من هذه الجواهر المفردة، وخلقُ اللهِ له وصنعه وإبداعه إنما معناه تركيب الله لهذه الجواهر المفردة، والتأليف بينها، والشيء الوحيد الذي أحدثه الله بعد أن كان عدمًا، هو الجوهر الفرد الذي لا يُرى ولا يحس ولا يميز منه جانب عن جانب، وهذا الإحداث والخلق للجواهر المفردة، قد سبق في زمنٍ غابر، وقد فرغ منه الرب، ولا يتم- في نظرهم - إثبات المعاد وكذا المبدأ إلا بذلك، فالمبدأ ليس إحداثًا للأجسام من العدم إنما هو تركيب الجواهر المفردة، والتأليف بينها [1] ، وابن القيم ينكر مثل هذا القول، وينفي أن يكون من أقوال أئمة الإسلام وإنما هو من أقوال أهل البدع فيقول (( والقول بالجوهر الفرد، وبناء المبدأ والمعاد عليه مما هو من أصول المتكلمين الفاسدة التي نازعهم فيها جمهور العقلاء ... ، وهذا من أقوال أهل البدع التي ابتدعوها في الإسلام، وبنوا عليها المعاد وحدوث العالم، فسلطوا عليهم أعداء الإسلام، ولم يمكنهم كسرهم لما بنوا المبدأ والمعاد على أمرٍ وهمى خيالي ) ) [2] .
والخلاصة مما سبق: أن الجوهر الفرد شيء وهمي خيالي لا حقيقة له، وأنه أصل فاسد من أصول المتكلمين، وبدعةٌ من شر بدعهم، وسبيل إلى الشك في أمر المبدأ والمعاد وحدوث العالم، نسأل الله العافية والسلامة من شر البدع وأهلها.
وتحته مسألتان:
المسألة الأولى: إنكار النزول الإلهي إلى السماء الدنيا أو تأويله:
ومعلوم أن الصحابة والتابعين وأتباعهم، مجمعون على إثبات النزول، من غير تأويل ولا تعطيل، ولا تشبيه ولا تمثيل، نزولًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ومن خرج عن إجماعهم فقد ضل وابتدع، وقد نقل ابن القيم ما أجمع عليه أهل السنة والاتباع، وسرد أقوالًا كثيرة لأئمة الاسلام، حتى وصل إلى أقوال الزهاد والصوفية من المتقدمين الذين ردوا على منكري النزول من مثل الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني [3] - رحمه الله- الذي ذكر إثبات النزول في وصيته وحكم على من أنكرها أو تأولها بأنه مبتدع ضال [4] .
(1) يُنظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم / فصل ابطال احتجاجهم بقوله تعالى (لخلق السموات والأرض) ، ص 198 - 199، الروح / فصل السؤال الرابع عشر 1/ 170 - 324، الصواعق المرسلة لابن القيم 2/ 663، 3/ 985 - 987، 4/ 1435، شفاء العليل لابن القيم /فصل وكيف يقرهم ذو فطرة صحيحة خلاف ذلك 2/ 125.
(2) مفتاح دار السعادة لابن القيم / فصل ابطال احتجاجهم بقوله تعالى (لخلق السموات والأرض) 3/ 198.
(3) هو معمر بن أحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد، أبو منصور الأصبهاني، الإمام الزاهد شيخ الصوفية في زمانه، روى عن الطبري وغيره، مات في رمضان سنة 418 هـ [يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي / 542 - معمر بن أحمد بن محمد 5/ 12، شذرات الذهب .. لابن العماد الحنبلي/ سنة ثمان عشرة وأربعمائة 3/ 211.]
(4) ينظر: اجتماع الجيوش الاسلامية ... لابن القيم / فصل أقوال الزهاد والصوفية أهل البدع ... ، ص 276.