ب) ابن رجب: فقد بين ما كان عليه من عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة والإنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والانكسار له، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته وختم بقوله (لم أشاهد مثله في ذلك) [1] .
كما نقل عنه لطائف في استغلاله لوقته، واهتمامه بصرفه في العبادات على أحسن وجه، خاصة أوقات حبسه، فقد استغله بالتلاوة مع التدبر والتفكر، وفتح عليه من ذلك خير كثير، عندما كان يجاور بمكة، فقد كان يرى منه من شدة العبادة، وكثرة الطواف، ما لا يقدر على مثله، مع العلم أنه حج وجاور مرات كثيرة. ثم مع هذا التعلق الشديد والمحبة الزائدة للعبادة يذكر عنه أيضا شدة المحبة للعلم وكتابته وتصنيفه واقتناء الكتب [2] ومن كان كذلك فقد قام بركني السعادة الموصلة إلى الفوز والفلاح في الدارين.
إذ لا بد للإنسان للوصول إلى ذلك، كما يقول ابن القيم نفسه من (همة ترقيه، وعلم يبصره ويهديه) [3] وما ذكره ابن رجب وغيره مما أشرنا إلى بعضه سابقًا يثبت أن ابن القيم لم يدع إلى هاتين الخصلتين إلا بعد أن تمثل بهما، وذاق حلاوتهما، وعايشهما واقعًا في نفسه، فلله دره من إمام جمع بين القول والعمل.
أ) ابن كثير: فقد أشار إلى جانب آخر مهم في سيرة هذا الإمام، ألا وهو جانب حسن الأخلاق المنبئة عن طهارة الظاهر والباطن، حيث وصفه بأنه كان (كثير التودد لا يحسد أحدًا، ولا يؤذيه ولا يستعيبه، ولا يحقد على أحد) [4] وبعد ذلك أكد ما شهد به ابن رجب من بلوغه الذروة في العبادة، وكثرة الصلاة والتلاوة،
حتى قال (( ولا أعرف في زماننا من أهل العلم أكثر عبادة منه، وكان يطيل الصلاة جدًا، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك- رحمه الله - ) ) [5] .
كما ذكر عنه حسن القراءة، والتفرد في فنون كثيرة، وكثرة الابتهال، وحسن الخط، وحب اقتناء الكتب، حتى تيسر له من كتب السلف والخلف ما لا يتهيأ لغيره عشره، ثم ختم بالقول (( وبالجملة كان قليل النظير في مجموعه وأموره وأحواله، والغالب عليه الخير والأخلاق الصالحة سامحه الله ورحمه ) ) [6] .
ب) ابن حجر: فقد نقل بعض ما ذكره ابن كثير من الثناء على ابن القيم، وأضاف بعض الأمور عنه: منها أنه (كان إذا صلى الصبح جلس مكانه يذكر الله حتى يتعالى النهار، ويقول: هذه غدوتي لو لم أقعدها
(1) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب / محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد 5/ 173.
(2) يُنظر: المصدر السابق / محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد 5/ 174.
(3) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، لابن القيم، ت علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد، دار ابن عفان، ط 1 1416 هـ/ فصل: العلم والإرادة 1/ 214.
(4) البداية والنهاية لابن كثير / ترجمة الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية 18/ 523.
(5) المصدر السابق 18/ 523، 524.
(6) المصدر السابق 18/ 524.