المطلب الأول:
مفهوم الكفر عند ابن القيم- رحمه الله -
ولعل أخصر تعريف للكفر عند ابن القيم قوله (( فإن الكفر هو جحود ما جاء به الرسول ... والإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر ) ) [1] إلا أن قصر الكفر على الجحود لا يعني أن الكفر لا يكون إلا بالتكذيب بالقلب أو الإنكار باللسان، إذ أن معنى الجحود- هنا- يراد به شيئان: 1) جحود القول (الذي يدخل فيه التكذيب والإنكار) ، 2) جحود الفعل (الذي يدخل فيه ترك الانقياد والاستسلام) ، بدليل أنه عرف الإيمان في النص السابق بشيئين أيضًا: أحدهما قولي (وهو التصديق) ، والثاني عملي (وهو الطاعة) ، فيكون الجحود الذي عرف به الكفر كذلك، لأن الكفر والإيمان حقيقتان متقابلتان، وكلاهما يكونان بالقول وبالعمل.
ولذا اعتبر ابن القيم تارك الانقياد والاستسلام والحب كافرًا من أعظم الناس كفرًا، ولو كان التصديق لديه موجودًا ويعلل ذلك بأن (( مجرد الإقرار والإخبار بصحة رسالته لا يوجب الإسلام، وإلا فلو قال أنا أعلم أنه نبي ولكن لا أتبعه ولا أدين بدينه كان من أكفر الكفار .. وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وأئمة السنة، أن الإيمان لا يكفي فيه قول اللسان بمجرده، ولا معرفة القلب مع ذلك، بل لا بد فيه من عمل القلب، وهو حبه لله ورسوله وانقياده لدينه، والتزامه طاعته، ومتابعة رسوله ) ) [2] .
فإذا كان الكفر هو جحد ما علم أن الرسول جاء به، وكان المصدق تصديقًا جازمًا مع عدم عمل القلب باقيًا على كفره .. فمعنى ذلك أنه لم يخرج بتصديقه عن مسمى الجحود المستلزم للكفر، ولاشك أن هذا المعنى للجحود هو عين ما ورد في القرآن، فقد سمى الله الكفار جاحدين رغم عدم وجود التكذيب قال تعالى {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّاالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [3] .
وكلا النوعين من الجحود منتشران متفشيان، فكفر الجهل الذي ينتج عنه التكذيب والإنكار أكثر انتشارًا بين عوام الكفار، كما قال ابن القيم عن أقسام الكفر (( أحدها: كفر صادر عن جهل وضلال وتقليد الأسلاف وهو كفر أكثر الأتباع والعوام ) ) [4] .
(1) أحكام أهل الذمة، لابن القيم، ت يوسف البكري وشاكر العاروري، دار ابن حزم، ط 1، 1418 هـ/ المذهب العاشر أنهم يمتحنون في الآخرة 2/ 1156، 1157. باختصار
(2) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإدارة لابن القيم 1/ 330.
(3) الأنعام: 33.
(4) مفتاح دار السعادة لابن القيم 1/ 331.