وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ... ) [1] ، ومعنى: يعشو يتعامى ويتغافل ويعرض، كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره [2] فدلت الآية أن الإعراض هو السبب في
تسليط الشيطان عليهم وغوايتهم، وهذا هو حاصل كلام لابن القيم بعد ذكر الآيات السابقات فليرجع إليه [3] .
وله كلام آخر في مواضع أخرى منها قوله (( فإن المعرض عما بعث الله تعالى به محمدًا من الهدى ودين الحق، يتقلب في خمس ظلمات: قوله ظلمة .. وعمله ظلمة .. ومدخله ظلمة .. ومخرجه ظلمة .. ومصيره إلى الظلمة .. وقلبه مظلم .. ووجهه مظلم .. وكلامه مظلم، وحاله مظلم، وإذا قابلت بصيرته الخفاشية ما بعث الله به محمدًا من النور، جد في الهرب منه، وكاد نوره يخطف بصره، فهرب إلى ظلمات الآراء، التي هي به أنسب وأولى، كما قيل:
خفافيش أعشاها النهار بضوئه *** ووافقها قطع من الليل مظلم )) [4]
واستدل بقوله تعالى {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ... } [5] .
ومعناه تحميل كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - ما لا يحتمله، أو التقصير به عن مراده وما قُصد به من الهدى والبيان، وقد حصل بسبب ذلك من الضلال والعدول عن الصواب، ما لا يعلمه إلا الله، كما يذكر ابن القيم (( بل سوء الفهم عن الله ورسوله، أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد، فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع، مع حسن قصده، وسوء القصد من التابع، فيا محنة الدين وأهله، والله المستعان ) ) [6] .
(( ومن قصر فهمه في كتاب الله وسنة رسوله، فأُتِى من سوء الفهم لا من النص ) ) [7] مما يعني أن سوء الفهم أصلٌ في نشوء الضلالات البدعية والكفرية، وسبب رئيس للوقوع فيها، أما إذا انضاف إليه سوء القصد فظلامٌ على ظلام، وضرب مثلًا في موضعٍ آخر على ذلك، ببعض الفرق التي حدثت في أواخر عصر الصحابة، ولم يكن ضلالهم ناشئًا عن إعراضٍ كلي عن النصوص، إنما أُتُوا من هذا السبب الذي نتحدث عنه ألا وهو سوء الفهم، فقال (( فلما كان في أواخر عصرهم(أي الرعيل الأول) حدثت الشيعة [8] .
(1) الزخرف: 36.
(2) تفسير ابن كثير / الزخرف 12/ 312.
(3) يُنظر: مفتاح دار السعادة لاب ابن القيم / فصل المعرضون عن الذكر 1/ 208.
(4) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، لابن القيم، ت عواد عبد الله المعتق، مكتبة الرشد - الرياض، ط 3، 1419 هـ/ بيان أصل الجهل والظلم وأنهم قسمان 1/ 17.
(5) النور: 40.
(6) الروح / فصل الأمر الثاني: أن يفهم عن الرسول .... 1/ 184.
(7) المصدر السابق / فصل والذي يدل على خلقها وجوه 1/ 436.
(8) الشيعة: هم الذين شايعوا الإمام علي بن أبي طالب، وقالوا بإمامته وخلافته نصًا ووصية، ويدخل فيهم ثلاث فرق أساسية: الزيدية وهم أقرب الفرق من الشيعة لأهل السنة ما عدا الغالية منهم كالجارودية، والإمامية الاثنا عشرية، والباطنية الإسماعلية بسائر طوائفها وهؤلاء هم الغلاة، وبعضهم يقسمهم إلى خمس فرق: 1) الكيسانية أتباع كيسان مولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، 2) الزيدية، 3) الإمامية 4) الغلاة ومنهم السبئية والكاملية، 5) الإسماعيلية. [يُنظر: الملل والنحل للشهرستاني / الفصل السادس: الشيعة، ص 146]