فهرس الكتاب
الفرع الثالث: من قال أن لديه علمًا لدنيًا [1] ، أو أن بينه و بين الله سرًا، أو قال حدثني قلبي عن ربي، أو نحو ذلك:
ففي المدارج فرق - رحمه الله - بين الفهم الذي يؤتيه الله من شاء من عباده، كثمرة للعبودية والمتابعة والصدق والإخلاص، وبعد بذل الجهد في تلقي العلم من مشكاة رسوله، وكمال الانقياد له، وبين علم من أعرض عن الكتاب والسنة ولم يتقيد بهما، فالأول علم لدني حقيقي [2] ،
ثم يقول عن الثاني (( وأما علم من أعرض عن الكتاب والسنة ولم يتقيد بهما: فهو من لدن النفس والهوى والشيطان ... فالعلم اللدني نوعان: لدني رحماني، ولدني شيطاني بطناوي، والمحك هو الوحي، ولا وحي بعد رسول الله ) ) [3] .
وأعظم ما يحتج به هؤلاء حال الخضر مع موسى عليه السلام، وقد رد ابن القيم على هذه الشبهة الشيطانية، بقوله"وأما قصة موسى مع الخضر عليهما السلام، فالتعلق بها في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني: إلحاد وكفر مخرج عن الإسلام، وموجب لإراقة الدم، والفرق أن موسى لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورًا بمتابعته ... ، ومحمد مبعوث إلى جميع الثقلين، وإذا نزل عيسى ابن مريم عليهما السلام فإنما يحكم بشريعة محمد" [4] .
ومثل ذلك من ادعى أن بينه وبين الله سرًا، أو قال حدثني قلبي عن ربي: قال ابن القيم نقلًا عن أبي يعلى الفراء [5] "من قال إن بينه و بين الله سرًا فقد كفر" [6] ، وكذلك"حدثني قلبي عن ربي"في حد ذاتها كفر وإلحاد، عند ابن القيم، وإن كان قائلها قد يعذر في بعض الحالات [7] .
(1) ولم يذكر ابن القيم أشخاصًا معينين قالوا بهذه المقالة سوى أن نسبها لزنادقة المتصوفين وملاحدتهم، وذكر في الثانية التي بعدها أيضًا ملاحدة الاتحادية ومتهوكي المتكلمين وجهلة المتفلسفين [يُنظر: مدارج السالكين لابن القيم / فصل قال باب الجمع 3/ 432] .
(2) يُنظر: المصدر السابق / فصل قال: الدرجة الثالثة علم لدني .. 2/ 475 - 476.
(3) المصدر السابق / فصل منزلة العلم .... 2/ 476.
(4) مدارج السالكين لابن القيم / فصل منزلة العلم .... 2/ 476.
(5) هو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء القاضي أبو يعلى الحنبلي: عالم زمانه، وشيخ الحنابلة في عصرة، وإليه انتهت الإمامة في الفقه، مع معرفة بعلوم القرآن وتفسيره والنظر والأصول. ولد سنة (380 هـ) وتوفي سنة (458 هـ) [يُنظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى / الطبقة الخامسة 1/ 248، وسير أعلام النبلاء للذهبي / 40 - القاضي أبو يعلى 18/ 89] .
(6) بدائع الفوائد لابن القيم / فوائد متنوعة 4/ 1385.
(7) (ينظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم / ومن كيده أن يحسن إلى أرباب 1/ 174. * وقد حكى عنهم فيه حكايات تدل على فرط جهلهم ومما حكاه أنه"قيل لبعض هؤلاء: ألا تذهب فتسمع الحديث من عبد الرزاق، فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الملك الخلاق، وهذا غاية الجهل فإن الذي سمع من الملك الخلاق موسى بن عمران كليم الرحمن، وأما هذا وأمثاله فلم يحصل لهم السماع من بعض ورثة الرسول وهو يدعي أنه يسمع الخطاب من مرسله فيستغني به عن ظاهر العلم، ولعل الذي يخاطبهم هو الشيطان أو نفسه الجاهلة أو هما مجتمعين ومنفردين ) ) ."