المحب وسوفا هي الحكمة، والحكمة نوعان قولية وفعلية، فالقولية قول الحق، والفعلية فعل الصواب، وكل طائفة من الطوائف لهم حكمة يتقيدون بها، وأصح الطوائف حكمة من كانت حكمتهم أقرب إلى حكمة الرسل التي جاءوا بها عن الله )) [1] [2] .
إذن ليست المشكلة في مصطلح الفلسفة إذا أخذناه بمعناه الأصلي، إنما المشكلة عند ابن القيم في اصطلاح المتأخرين حين صار لقب الفيلسوف في عرفهم مختصًا بمن يخرج عن ديانات الأنبياء، ثم صار إلى نطاقٍ أضيق فاختص بأتباع أرسطو الذين هذب لهم ابن سينا طريقتهم [3] .
وعليه فليس كل منتسبٍ للفلسفة أو كل من يسمى بالفيلسوف داخلًا بالضرورة في عداد هؤلاء الملحدين إذ قد ينتسب إليها بمقتضى المعنى العام الذي هو محبة الحكمة لا بمقتضى عرف المتأخرين، ومما يدل أيضًا على ذلك أن ابن القيم أثبت وجود من هو مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه متقيد بشريعة الإسلام من الفلاسفة [4] .
نكتفي بذكر عالمين من مدرستين مختلفتين:
الأول: الإمام أبو حامد الغزالي - رحمه الله -
فرغم اشتغاله بالفلسفة ونقدها، إلا أن له موقفًا حازمًا وحاسمًا مع الفلاسفة سواءً اليونانيين أم الإسلاميين فهو لا يرى أحدًا منهم ناجيًا من وصمة الكفر حيث قال عنهم (( وهم- على كثرة أصنافهم- يلزمهم وصمة الكفر والإلحاد، وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين، وبين الأواخر منهم والأوائل تفاوت عظيم في البعد عن الحق والقرب منه ) ) [5] وقسمهم إلى ثلاثة أصناف وهم: الدهريون والطبيعيون والإلهيون ثم ذكر سقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس، وكيف رد بعضهم على بعض، وكشف بعضهم فضائح بعض، ثم لخص الحكم عليهم جميعًا وعلى من تبعهم ممن ينتسب إلى الإسلام بالقول (( فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابي وأمثالهما ) ) [6] .
الثاني: الإمام ابن تيمية- رحمه الله -
فله في الفلاسفة كلام كثير طويل يصعب إحصاؤه، وله في الرد عليهم مؤلفات ضخمة لا تخفى على مطلع، وفيها من ذمهم وتضليلهم ونسبة الشرك والكفر إليهم ما هو معلوم وظاهر لكل من طالعها، وقد أشار في شرح
(1) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم 2/ 304.
(2) وقد ذكر في نفس السياق بعض الآيات التي ورد فيها لفظ الحكمة وأريد بها الحكمة الحقيقية التي جاءت بها الرسل ومقتضاها: إصابة الحق اعتقادًا وقولًا وعملًا، وكأنه يشير بذلك إلى عموم مصطلح الفلسفة وشموله لكل محبٍ للحكمة، بدلالة قوله عقب كلامه عن الأنبياء وما أوتوه من الحكمة (( والمقصود أن الفلاسفة اسم جنس لمن يحب الحكمة ويؤثرها ) ) [المصدر السابق 2/ 304 - 305] .
(3) يُنظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم / فصل فسرت هذه البلايا الثلاثة ... 2/ 305.
(4) يُنظر: المصدر السابق / فصل وكذلك كان أساطينهم ... 2/ 307.
(5) المنقذ من الضلال للغزالي/ أصناف الفلاسفة وشمول وصمة الكف عامتهم 1/ 4.
(6) المصدر السابق / والصنف الثالث الإلهيون 1/ 5.