فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 264

رب يعبد، ولا رسول يطاع، ولا يثبتون للخليقة معادًا، ولا لهذا العالم زوالًا، مما يجعل كفار قريش وسائر المشركين خيرًا منهم [1] ويكفي لكي تكون فيلسوفًا حكيمًا عندهم أن تتلاعب بالنبوات ولا تقف عند حدودها، وأن تقول بعقلك ما تشاء [2] وكثير من الفلاسفة الإسلاميين منكرون لكثير من الغيبيات كالمعاد والجن والشياطين ونحوها، وهم بذلك كفار بإجماع المسلمين كما ذكر ذلك في الروح نقلًا عن شيخه ابن تيمية [3] وزاد في النونية فوصفهم بالناصرين لملة الشيطان، والمنسلخين من الأديان [4] .

لكن لا يمنع من وجود نفرٍ معدودين في الفلاسفة ومنتسبين للفلسفة وهم ليسوا على ذلك الكفر والإلحاد، فلا تلازم بين الأمرين، وسبب عدم التلازم بين تكفير الفلاسفة كجماعة وتكفير كل منتسبٍ للفلسفة بعينه أمران:

1 -أن تكفير الجماعة أو الطائفة أقرب في بعض الأحكام إلى التكفير المطلق منه إلى تكفير المعين، وقد سبق معنا أن الأول لا يستلزم الثاني، وإنما أوردنا تكفير الجماعات هنا في باب تكفير المعين لما فيه من شوب تعيين، حيث تسمى فيه جماعة بعينها وينزل عليها حكم الكفر، ففيه تعيين من هذه الجهة، بينما هو من جهةٍ أخرى تكفير مطلق لا يشمل بالضرورة كل فرد في الجماعة تعيينًا وجزمًا، إذْ قد يوجد في الجماعة مغرر به مخدوع لا يعلم بأفكارها المكفرة ولا يؤمن بها، وما أطلق الكفر على الجماعة إلا لما تقوله وتقع فيه من أقوال وأعمال مكفرة، فإذا تيقنا خلو فردٍ من أفرادها من تلك الأقوال والأعمال المكفرة فما الموجب لتكفيره حينئذٍ؟ ولا داعي أن نعيد ما سلف ذكره في فصل ضوابط التكفير وما نقلناه هناك عن الإمام في تقريره هذا الأصل، وتكفير الجماعة معناه أن الأصل كفر من ينتسب إليها عالمًا بحقيقتها .. ومصدقًا بها وهذا نوع تعيين .. لكنه لا يمنع من استثناء من لا يعلم .. ولا يصدق ..

2 -أن ابن القيم نفسه قد بين أن الفلسفة لا توجب بذاتها الكفر - وإن كانت فلسفة أرسطو وأشياعه لا تقود إلا لذلك ففرق بين الفلسفة كمصطلحٍ عام، وبين الفلسفة كإطلاقٍ متعارفٍ عليه محصور في فلسفة فلان أو علان، حيث صارت الفلسفة عند المتأخرين لا تطلق إلا على مذهب المشائين، وحسبك أن تقرأ ذلك الفصل الذي عنون له ابن القيم بالقول (( فصل فسرت هذه البلايا الثلاثة(أي التعطيل والشرك ومخالفة الرسول وجحد ما جاء به) في كثير من طوائف الفلاسفة لا في جميعهم )) [5] ثم علل ذلك بالقول (( الفلسفة من حيث هي لا تعطي ذلك، فإن معناها محبة الحكمة، والفيلسوف أصله فيلاسوفا أي محب الحكمة ففيلا هي

(1) يُنظر: الصواعق المرسلة لابن القيم/ الوجه الرابع والأربعون بيان أن المشركين أعرف بالله من الجهمية ... 3/ 899.

(2) يُنظر: المصدر السابق / الوجه الرابع والعشرون إن كل من أعرض عن السمع ... 3/ 838.

(3) يُنظر: الروح لابن القيم / المسألة السادسة وهي أن الروح هل تعاد إلى الميت ... 1/ 115.

(4) حيث قال: (( ومضى على هذه المقالة أمة ... خلف ابن سينا فاغتذوا بلبان

منهم نصير الكفر في أصحابه ... الناصرين لملة الشيطان

فأسأل بهم ذا خبرة تلقاهم ... أعداء كل موحد رباني

وأسأل بهم ذا خبرة تلقاهم ... أعداء رسل الله والقرآن

صوفيهم عبد الوجود المطلق ... المعدوم عند العقل في الأعيان

أو ملحد بالاتحاد يدين لا بالتوحـ ... يد منسلخ من الأديان )) [القصيدة النونية، لابن القيم، ص 54] .

(5) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم / فصل فسرت هذه البلايا الثلاثة ... 2/ 304.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت