والملاحظ هنا أن المسألة ليست كسابقتها لأمرين:
1 -أن النقولات التي سننقلها هنا تخص طائفة محددة من القدرية، وهم المنكرون للعلم، بينما النقولات في مسألة الجهمية وتكفير السلف لهم عامة في الأصل تشمل عموم الجهمية غير أن ابن القيم فرق بين الغلاة وغيرهم.
2 -أن المسألة هنا فيها إجماع فيما يبدو، فأغلب كلام ابن القيم عن القدرية المنكرين للعلم ينقل فيه اتفاق السلف على كفرهم، وإليك هذين النصين:
النص الأول: في شفاء العليل تكلم فيه عن عموم علم الله سبحانه وتعالى، وأنه لم يخالف فيه إلا فرقتان: الأولى: سماهم (أعداء الرسل) كلهم الذين نفوا علم الله بالجزئيات، ويقصد بذلك الفلاسفة، ثم ذكر الفرقة الثانية: ووصفهم بأنهم (غلاة القدرية) (( الذين اتفق السلف على كفرهم، وحكموا بقتلهم ) ) [1] .
وحكى الاتفاق أيضا في موضعين آخرين من نفس الكتاب [2] كما حكاه في الصواعق المرسلة [3] ، ولهم عنده وصفان (غلاة القدرية) ، أو (سلف القدرية) لأنه مذهب المتقدمين منهم الذين ينكرون العلم.
النص الثاني: في كتاب (مفتاح دار السعادة) ، وقد ناقش فيه القدرية المتأخرين ثم أشار إلى متقدميهم المنكرين للعلم، وسماهم (سلفهم الخبيث الذين اتفق سلف الأمة الطيب على تكفيرهم) [4] .
فضلًا عما في كتبه الأخرى من الإشارة إلى تكفير سلف الأمة لهذه الفرقة وإن لم ينص على اتفاقهم، لكن السياق يدل على ذلك حيث لا يستثني من السلف أحدًا [5] .
بينما نجد ابن القيم في نصوص أخرى يذكر القدرية عمومًا فلا يحكم عليهم بحكم تلك الطائفة الخاصة، بل الغالب أنه كلما أطلق لفظ القدرية فلا يعني بهم هذه الطائفة التي أنكرت العلم، إنما يعني بهم من دونهم، وعليه يحمل أي نص عام في ذم القدرية، كقوله رحمه الله (وقد نص مالك رحمه الله على أن شهادة أهل البدع كالقدرية
(1) شفاء العليل .. لابن القيم / فصل الأصل الأول إثبات عموم علمه سبحانه 3/ 1006 - 1007. التنبيه الثاني: القدرية فرقتان 1/ 300 - 301.
(2) يُنظر: شفاء العليل لابن القيم/ الباب التاسع في قوله تعلى (إنا كل شيء خلقناه بقدر 1/ 315 - 321، فصل ولما صار القدرية يحتجون بهذا الحديث 1/ 1407 - 1409.
(3) يُنظر: الصواعق المرسلة لابن القيم / الفصل العشرون في بيان أن أهل التأويل 2/ 492.
(4) مفتاح دار السعادة لابن القيم/ الإلزام الثاني عشر انه يلزمهم ان يوجبوا على الله .. 2/ 433 - 434.
(5) يُنظر على سبيل المثال: طريق الهجرتين لابن القيم / فصل في الجمع بين الروايات المتقدمة 1/ 163 /فصل فالجواب أن هاهنا مقامين، ص 151، فصل في بيان ما للناس في دخول الشر 1/ 243 بدائع الفوائد لابن القيم 3/ 1030.