فهرس الكتاب
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [1] فإن فيها تصريحًا جليًا بانتفاء الإيمان عمن لا يتحاكم إلى شرع الله، ولا يرد إلى الله وإلى الرسول، كما يوضحه بقوله: (( فأكد ذلك بضروب من التأكيد أحدها: تصدير الجملة المقسم عليها بحرف النفي المتضمن لتأكيد النفي المقسم عليه وهو في ذلك كتصدير الجملة المثبتة بأن. الثاني: القسم بنفسه سبحانه. الثالث: أنه أتى بالمقسم عليه بصيغة الفعل الدالة على الحدوث، أي لا يقع منهم إيمان ما حتى يحكموك. الرابع: أنه أتى في الغاية بحتى دون إلا، المشعرة بأنه لا يوجد الإيمان إلا بعد حصول التحكيم، لأن ما بعد حتى يدخل فيما قبلها. الخامس: أنه أتى المحكم فيه بصيغة الموصول الدالة على العموم، وهو قوله فيما شجر بينهم، أي في جميع ما تنازعوا فيه من الدقيقة والجليلة. السادس: أنه ضم إلى ذلك انتفاء الحرج وهو الضيق من حكمه. السابع: أنه أتى به نكرة في سياق النفي أي لا يجدون نوعا من أنواع الحرج البتة. الثامن: أنه أتى بذكر ما قضى به بصيغة العموم فإنها إما مصدرية أي من قضائك أو موصولة أي من الذي قضيته وهذا يتناول كل فرد من أفراد قضائه. التاسع: أنه لم يكتف منهم بذلك حتى يضيفوا إليه التسليم، وهو قدر زائد على التحكيم وانتفاء الحرج. العاشر: أنه أكد فعل التسليم بالمصدر المؤكد ) ) [2] .
فقد وقف ابن القيم مع قول الهروي [3] (( وأما التوحيد الثاني الذي يثبت بالحقائق فهو توحيد الخاصة وهو إسقاط الأسباب الظاهرة ) ) [4] .
ثم ذكر احتمالين لما يريده الهروي من إسقاط الأسباب الظاهرة فقال (( يحتمل أن يريد بها الأسباب المشاهدة التي تظهر لنا، وإسقاطها هو أن لا يرى لها تأثيرًا البتة، ولا تغييرًا وإن باشرها بحكم الارتباط العادي، فمباشرتها لا تنافي إسقاطها، ويحتمل أن يريد بالأسباب الظاهرة الحركات والأعمال، وإسقاطها عزلها عن اقتضائها السعادة والنجاة، لا إهمالها وتعطيلها، فإن ذلك كفر وانسلاخ من الإسلام بالكلية ) ) [5] وهذا هو موضع الشاهد معنا، أنه جعل إهمال الأسباب وتعطيلها كفرًا وانسلاخًا من الإسلام بالكلية، وفي موضعٍ آخر جعلها كفرًا وزندقة فقال- رحمه الله - (( وليس المراد قطع الأسباب عن أن تكون أسبابًا، والإعراض عنها فإن هذا زندقة وكفر ومحال، فإن الرسول سبب في حصول الهداية والإيمان، والأعمال الصالحة سبب لحصول النجاة
(1) النساء: 65.
(2) الصواعق المرسلة لابن القيم / الوجه السابع والثلاثون بعد المائتين: إنه لو كان ظاهر الكتاب مخالفًا لصريح المعقول 4/ 1520 - 1521
(3) هو أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الهروي الأنصاري، شيخ الإسلام، ومصنف كتاب (ذم الكلام) و (منازل السائرين) ولد سنة (396 هـ) وتوفي سنة (481 هـ) [يُنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي / 260 - شيخ الإسلام عبد الله بن محمد بن علي الهروي 18/ 503] .
(4) مدارج السالكين لابن القيم / فصل قال: وأما التوحيد الثاني الذي يثبت بالحقائق .. 3/ 494.
(5) الصواعق المرسلة لابن القيم / فصل المسألة الثالثة 1/ 1046.