فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 264

الفرع الثاني: التسرع والمجازفة بأحكام التكفير والتبديع دليل استحواذ الشياطين على العبد:

بحيث يجعل منه الشيطان أداةً طيعةً بيده لإيذاء عباد الله الصالحين، ومن أعظم ما يؤذي به أولياء الله تسليط أوليائه عليهم يكفرونهم ويبدعونهم وينسبون إليهم كل قبيح، وقد كشف ابن القيم هذا السر حين بين أن الشيطان إذا عجز عن تخطف العبد بإحدى حبائله الست [1] انتقل إلى الإيذاء والعقوبات، وكان من تلك العقوبات ومن أعظمها دفع الجهلة والأتباع للعدوان، وتعليمهم مهارة التكفير والتبديع بلا حجةٍ ولا برهان، لينفروا بها الخلق عن أولياء الله الصالحين المصلحين [2] .

إذن فالتكفير والتبديع بغير حق مهارة إبليسية يعلمها حزبه وأتباعه من الجن والإنس، ويوسوس بها إلى من شاء الله إغواءه من الخلق.

الفرع الثالث: أهل البدع يسارعون إلى التكفير والتبديع لمجرد المخالفة:

بمعنى أنهم جعلوا المعيار الوحيد في التكفير والتبديع، هو المخالفة لرأيهم، كما صرح بذلك في نونيته فقال:

(( ومن العجائب أنكم كفرتم *** أهل الحديث وشيعة القرآنِ

إذ خالفوا رأيا له رأي ينا *** قضه لأجل النص والبرهانِ

وجعلتم التكفير عين خلافكم *** ووفاقكم فحقيقة الإيمانِ

ميزانكم ميزان باغ جاهل *** والعول كل العول في الميزانِ )) [3]

وذكر في موضعٍ آخر أنهم يخترعون أصولًا من عند أنفسهم ثم يكفرون ويبدعون ويضللون من خالفهم في تلك الأصول التي اخترعوها [4] ، وفي موضعٍ ثالث: وضع ما يشبه القاعدة في هذه المسألة مفادها أن من تجاوز إلى تكفير من خالفه، وليس له من دليلٍ في ذلك إلا الجهل والتقليد فذلك الظالم الجاهل الذي لم يضر

(1) ذكر ابن القيم أن أجناس الشر ستة أجناس يسعى الشيطان بكل ما أوتي من قوة لإيقاع ابن آدم في واحدٍ منها أو أكثر الأول: شر الكفر والشرك، والثاني: البدعة، والثالث: الكبائر، والرابع: الصغائر، والخامس: الانشغال بالمباحات، والسادس: الانشغال بالمفضول عن الفاضل. [يُنظر: بدائع الفوائد لابن القيم / فصل تفسير قوله الذي يوسوس ما في صدور الناس 2/ 799 - 801] .

(2) يُنظر: بدائع الفوائد لابن القيم / فصل تفسير قوله الذي يوسوس ما في صدور الناس 2/ 799 - 801.

(3) القصيدة النونية لابن القيم / فصل الرد عليهم في تكفيرهم أهل العلم والإيمان، ص 274.

(4) يُنظر الصواعق المرسلة لابن القيم / الوجه الثاني والستون بيان أن المعارضين للوحي .. 3/ 989، وللأسف الشديد أن بعض الجماعات الإسلامية شابهوا هؤلاء في اختراع بعض الأصول التي هي في الأصل مجرد اجتهادات ظنية، لكنهم جعلوها في مرتبة القطعيات والأصول، ثم بدعوا وضللوا من خالفهم في تلك الاجتهادات لأنه في نظرهم خالف أصول أهل السنة والجماعة، ولم تزدد الأمة بذلك إلا تفرقًا وشتاتًا .. وإلى الله المشتكى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت