فهرس الكتاب
كان من أهل البدع الحاقدين على أهل الحديث والمشككين في السنة كالمريسي الذي رد عليه الدارمي، وكأبي رية الذي نقض كتابه (أضواء على السنة) عبد الرحمن المعلمي [1] . وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
وذلك يعني أن هذا هو الأصل عند ابن القيم وعند غيره من علماء السلف والخلف في تفسير كلام المعين أن يرد ما تشابه منه إلى شيئين أولًا: إلى محكم أقواله. ثانيًا: إلى حاله وسيرته وما عهد عنه وعرف به، ويضاف أيضًا شيء ثالث وهو النظر إلى الحال والسياق والملابسات التي قيل فيها ذلك المتشابه .. ولا يعني هذا اعتقاد العصمة فيمن قال ذلك المتشابه، إذ لا يتنافى - عندهم - حمل الكلام على المحكم مع تخطئة القائل أو على الأقل إعذاره في إطلاق عبارته - إن وجد العذر الصحيح - بعد الاعتراف بخطأ ذلك الإطلاق، ولذا أطرق أحمد بن حنبل ساعة لما نقلت هذه الكلمة عن شعبة إليه [2] ، بما يشعر بعدم رضاه عنها - وإن كان التمس لشعبة عذرًا في قولها وحملها على محمل حسن، ومعلوم أن الإعذار فرع عن التخطئة ..
المطلب الثالث:
التأكد من توفر الشروط والخلو من الموانع
ومعناه ألا نكفر المعين أو نبدعه - بموجب ما صدر منه من مكفر أو مبدع - حتى نتأكد من توفر شروط وانتفاء موانع.
وهذا المطلب لا حاجة لإكثار النقولات فيه إذ هو في الحقيقة تأكيد لمضمون ما سبق وما سيأتي من الضوابط والموانع، لأن جعل التكفير أو التبديع متوقفًا على تلك الضوابط واعتبارها لازمة لا يصح التكفير أو التبديع إلا بها .. معناه اشتراطها .. كما أن ذكر أشياء تمنع من تنزيل حكم التكفير أو حكم التبديع على من تلبس بموجبها .. معناه أيضًا اشتراط انعدامها .. وفحوى ذلك كله .. ومفهومه بل ومنطوقه يدل على أن للتكفير وللتبديع شروطًا لابد من توفرها .. وموانع لابد من الخلو منها قبل إنزال حكم الكفر أو البدعة على المعين .. وكثير من النقولات السابقة تؤكد ذلك.
فعندما يشترط ابن القيم ألا نكفر إلا من كفره الله ورسوله، وألا نجعل مجرد المخالفة موجبة للتكفير، وعندما يرى لزوم الحكم على الناس بالظاهر، ووجوب تفسير كلام المعين المجمل أو المتشابه على ضوء المبين والمحكم، وحرمة التكفير أو التبديع لمجرد الاحتمال أو الشك أو الظن الفاسد لأن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين .. كل هذه سبقت في المطالب السابقة تدل بوضوح على اشتراط كل ما ذكر من الضوابط التي لا
(1) هو العالم الفقيه المحدث: عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد المعلمي اليماني، ولد ونشأ في عتمة، ثم رحل إلى الحجرية من بلاد تعز وتعلم بها، ثم إلى جيزان، وتولى رئاسة القضاء في إمارة الإدريسي بعسير ولقب بشيخ الإسلام، ثم سافر إلى الهند ثم عاد إلى مكة وعين أمينًا لمكتبة الحرم المكي، وتوفي ودفن بها. كانت ولادته سنة (1313 هـ) ووفاته سنة (1386 هـ) الموافق (1895 - 1966 م) [يُنظر: الأعلام للزركلي / المعلمي 3/ 342] .
(2) يُنظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى / باب حرف الفاء: الفضل بن الحباب أبو خليفة 1/ 98.