هذا الفصل مخصص للجانب التطبيقي لما سبق ذكره فكما أن لابن القيم منهجًا واضحًا في تعيين ما هو كفر أو ما هو بدعة، وفي توضيح الضوابط العامة وتحديد الموانع المانعة من التكفير، فله كذلك تطبيقات جلية لذلك المنهج، وثمة جماعات كفرها وأخرى بدعها، وأشخاص كفرهم وآخرون بدعهم، غير أن هذه التطبيقات - وخاصة ما كان من تكفير الجماعات والأشخاص أو تبديعهم - قليلة في كتبه بالنسبة لكثرة كلامه عن الأقوال والأعمال المكفرة والمبدعة ... ، وهذا دليل آخر على تحريه في هذا الباب، ولزومه ما وصى به غيره من الاحتياط والورع الذي لابد منه لكل من ينصب نفسه حكمًا على الغير، ودليل على عدم إيلائه هذه المسألة ما أولاه لمسألة الأقوال والأعمال المكفرة والمبدعة من الأهمية، لأن مسألة تكفير المعين أو تبديعه مسألة اجتهادية ظنية، ولا تبحث في الغالب ضمن مسائل الأصول إلا إذا ذكرت عرضًا أو من باب التمثيل، والسبب في كونها ظنية اجتهادية أنها مبنية على توفر الشروط في المعين وانتفاء الموانع، ومن الصعوبات الوصول إلى جزمٍ في ذلك يتفق عليه الجميع إلا في حالاتٍ قليلة، ولابد من اختلاف وجهات النظر في تكفير المعين أو تبديعه.
ونعني بالمعين هنا من ثبت إسلامه بيقين ثم طرأ عليه الكفر أو البدعة، هذا هو الذي يكون تكفيره أو تبديعه محل نزاع، أما الكافر الأصلي فلاريب ولا نزاع ولا تردد في تكفيره عينًا وإنزال أحكام الكفر كلها عليه في الدنيا وكما يقول ابن القيم (( بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول ... وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم ) ) [1]
وطالما أن التكفير والتبديع المطلقين لا يكونان إلا بدليل سمعيٍ من الكتاب أو السنة، وأن تكفير المعين وتبديعه في الغالب مرده إلى اجتهاد العالم وتحققه من توفر الشروط وانتفاء الموانع .. فمعنى ذلك أن الأول يجب على كل مسلم تعلمه والالتزام فيه بماحكم به الله ورسوله، ويحرم فيه الامتناع عن تكفير من كفره الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لأن في ذلك امتناعًا عن التسليم لأمره وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بخلاف تكفير المعين فلا يجب على كل أحد، بل لا يجوز تعاطيه والخوض فيه إلا ممن كان أهلًا لمعرفة تحقق الشروط وانتفاء الموانع من العلماء المختصين وأهل الفتوى والقضاء, ويحرم فيه التجاسر من كل أحد لم تتحقق أهليته إلا أن يكون ناقلًا عمن سبق ذكره من العلماء الذين هم أهل لذلك، لأن الكلام في الناس والحكم عليهم (يجب أن يكون بعلم وعدل لا بجهل كحال أهل البدع) [2] .
وجملة القول هناك ثلاث تنبيهات مهمة يجب التنبه لها وتقديمها بين يدي حديثنا عن تطبيقات ابن القيم في هذا الفصل .. وخلاصتها:
(1) طريق الهجرتين لابن القيم / فصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة، ص 610.
(2) منهاج السنة النبوية لابن تيمية/ فصل قال الرافضي وأعظموا أمر عائشة 4/ 337.