أقوال العلماء:
من خلال تتبع كلام العلماء والمفسرين وشراح الحديث حول ما ذكرنا من اطلاقات يظهر اتفاق العلماء على أنها إطلاقات لا يلزم منها التكفير في كل حال، وقد أشرنا إلى بعض ذلك فيما سبق فلا حاجة للإعادة.
المطلب الثاني:
العبرة في كلام المعين عند الحكم عليه بالمبيّن لا بالمجمل وبالمحكم لا بالمتشابه
وهذا المطلب يتحدث عن ضابط مهم في تفسير كلام المعين .. بعد أن كان الضابط الذي قبله يتعلق بصحة فهم النصوص المقتضية للتكفير والتبديع، ويُقصد بعنوان المطلب أنه قد يرد للعالم أو لشخصٍ ما كلام مجمل يحتمل الوقوع في الكفر أو البدعة، فمن العدل الواجب أن نستقرئ كلام هذا العالم في هذه المسألة، وننظر مفصَّل كلامه الذي نستطيع من خلاله تبين وفهم حقيقة رأيه ومذهبه، خاصة عندما يكون الشخص باقيًا على ظاهر السلامة، ولاشك أن كل مسلم الأصل فيه السلامة، فما لم يثبت عندنا ما يدل يقينيًا على تلبسه بالكفر أو البدعة او نحوهما من الفسق والضلال - عياذًا بالله - فلا يكفي في دمغه بواحد من هذه الألقاب مجرد كلام مجمل قد يوهم الوقوع فيما ذكرنا على سبيل الظن لا القطع.
ولدينا قاعدة جليلة أشار إليها ابن القيم في مواضع من كتبه تقول أن ما يثبت بيقين لا يزول بمجرد الشك [1] ، فمن ثبت إسلامه وسنيته بيقين فلا يزول ما ثبت إلا بيقين، والمجمل في الأصل ليس من اليقين حتى يأتي ما يبينه.
ها هو ابن القيم يذكر عن أحد العلماء وقوع كلام مجمل يوهم الاحتجاج بالقدر في فعل المعصية ثم ينفي عنه ذلك القول لوجود كلام مفصل يخالفه قال- رحمه لله- (( وقد ورثهم في هذا الضلال وتبعهم عليه طوائف من الناس، ممن يدعي التحقيق والمعرفة أو يدعى فيه ذلك، وقالوا العارف إذا شاهد الحكم سقط عنه اللوم، وقد وقع في كلام شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري [2] ما يوهم ذلك، وقد أعاذه الله منه، فإنه قال في باب التوبة من منازل السائرين: ولطائف التوبة ثلاثة أشياء: أولها أن ننظر في الجناية والقضية، فنعرف مراد الله فيها إذ خلاك وإتيانها، فإن الله تعالى إنما يخلي العبد والذنب لأحد معنيين: أن يعرف عبرته في قضائه، وبره في مسيره، وحلمه في إمهال راكبه، وكرمه في قبول العذر منه، وفضله في مغفرته، والثاني ليقيم على العبد حجة عدله، فيعاقبه على ذنبه بحجته ... ) ) [3] وفي موضع آخر وقف ابن القيم مع قول أبي إسماعيل الأنصاري - رحمه الله- (( واللطيفة الثالثة أن مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة، ولا استقباح سيئة، لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم ) )ثم علق على هذا الكلام الذي ظاهره البطلان بالقول (( فهذا الكلام الأخير ظاهره يبطل استحسان الحسن واستقباح القبيح، والشرائع كلها مبناها على
(1) يُنظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم / فصل من حلف بالطلاق على شيء 1/ 242.
(2) سبق التعريف به ص 114.
(3) شفاء العليل لابن القيم / الباب الثالث في ذكر احتجاج آدم وموسى في ذلك 1/ 216 - 217.