فهرس الكتاب
استحسان هذا واستقباح هذا، بل مشاهدة الحكم تزيد البصير استحسانًا للحسن واستقباحًا للقبيح، وكلما ازدادت معرفته بالله وأسمائه وصفاته وأمره قوى استحسانه واستقباحه، فإنه يوافق في ذلك ربه ورسله ومقتضى الأسماء الحسنى والصفات العلى )) [1] فأنكر ما توهمه العبارة في ظاهرها من باطل، لكنه لم ينسب القول بذلك الباطل إلى قائلها .. لوجود شيئين ينفيان ما توهمه تلك العبارة المجملة أو المتشابهة:
الأول: حال الشيخ وما عُرف عنه من غضبه لله ولحدوده ومحارمه، وما اشتهر به من المقامات في ذلك عند الخاصة والعامة [2] .
والثاني: كلامه المتقدم الذي جعله بمنزلة المحكم، وجعل العبارة الموهمة بمنزلة المتشابه، ورد الثاني إلى الأول.
وهذا يعني أن الكلام المجمل الذي يوهم باطلًا، أو المتشابه الذي ظاهره الباطل، يجب ألا يحكم على قائله بمقتضاه، بل نرد ما أوهمه من باطل، ثم نحكم على القائل بمقتضى شيئين: الأول حال المتكلم وما يعرف عنه من مقامات وسيرةٍ يمكن لنا عن طريقها الجزم يكون هذا المتكلم ممن يقول هذا الباطل أم ممن يحاربه ويستحيل عليه القول به، وهذا ما فعله ابن القيم عندما استدل بسيرة شيخ الإسلام الأنصاري [3] وما كان له من مقامات تثبت عكس ما توهمه العبارة من عدم استحسان ما حسنه الله واستقباح ما قبحه. الثاني: ما للمتكلم من كلام مفصلٍ يبين المراد من ذلك المجمل، أو من كلام محكمٍ يبطل ظاهر ذلك المتشابه.
وهكذا في المجملات التي تحتمل كفرًا كقولهم (( التوبة من التوبة ) )واعتبار ذلك إحدى منازل السائرين، فقد صرح ابن القيم بأن الكلمة كفر إن أخذت على ظاهرها، لكنه قرر أنها من المجملات التي يراد بها حق وباطل وأن مرادهم بها أن يتوب من رؤية التوبة والاغترار بها وعدم شهود منة الله عليه فيها، غير أن التعبير بتلك الجملة مشكل وخطأ لما توهمه من الكفر - عياذًا بالله - [4] فلاحظ كيف فرق بين الظاهر من العبارة الذي هو الكفر، وبين الحكم على المتكلم بها، وأنه لم يُرد ذلك الظاهر وإنما أراد شيئًا آخر غير الكفر مما يحتمل معاني صحيحة- وإن كان أخطأ في العبارة -.
ولاريب أن ابن القيم لم يمتنع من حمل العبارة على ظاهرها المكفِّر إلا لقرائن تمنع من إرادة ذلك الظاهر، ومن تلك القرائن ما لقائلها من كلام آخر مفصل شرح بها العبارة وبين مراده منها، وبذلك يتبين الفرق بين الحكم على العبارة والحكم على قائلها، فالعبارة قد تكون شطحة من الشطحات العظيمة التي ظاهرها الكفر أو الضلال، لكنها مادامت مجملةً أو متشابهة فيجب ردها- عند تعيين مراد قائلها أو الحكم عليه- إلى المفصل أو المحكم.
(1) شفاء العليل لابن القيم 1/ 218.
(2) يُنظر: المصدر السابق / فصل قال الدرجة الثالثة صفاء اتصال يدرج حظ العبودية (بداية العبارة: ولولا المقامات) 1/ 218.
(3) (فإنه كان يأمر بالمعروف ويحث عليه ويرغب فيه، وينهى عن المنكر ويزجر عنه ويكره فعله وهذا دليل على استحسان الأول واستقباح الثاني، بل قد كان من الأئمة في ذلك وله فيه مقامات مشهودة مشهور كما أشار ابن القيم نفسه فيما سبق نقله.
(4) يُنظر: مدارج السالكين لابن القيم / فصل وأما التوبة من التوبة فهي من المجملات 1/ 203.