فهرس الكتاب
أخيرًا المنهج الذي نستفيده من الإمام ابن القيم بعد الذي نقلنا عنه في هذه القضية يتلخص فيما يأتي:
1 -الحكم على الآخرين يكون بمقتضى المبين من كلامهم لا المجمل، والمحكم لا المتشابه حتى لا نبغي على أحد، ونحكم عليه بمجرد الظن، ونزيل عنه ما ثبت بيقين من دون يقين، مع رد ما في المجمل أو المتشابه من إيهام الباطل .. وتخطئة صاحبه بذلك الإيهام ..
2 -عدم الاغترار بالألفاظ المجملة المشتبهة في تأييد باطل أو نصرة بدعةٍ، وألا تُعتبر دليلًا حتى يبين مجملها أو ترد إلى محكمها الذي يكشف به حقيقة ما تحت اللفظ من حق أو باطل، وهذا هو فعل من رزقه الله بصيرة كما يقول ابن القيم [1] .
3 -الحذر البالغ من إطلاق الألفاظ المجملة المشتبهة، وخاصة إذا كان مطلقها رأسًا في العلم أو العبادة، فرب كلمة مجملةٍ أو عبارةٍ مشتبهةٍ أوردت قومًا موارد الزندقة والإلحاد [2] .
4 -التفريق بين الحكم على العبارة والحكم على قائلها، فالحكم على العبارة لا مانع فيه من بيان ما يقتضيه ظاهرها من الكفر أو البدعة، وأما الحكم عل قائلها فلا يكون إلا بعد النظر في كل ما قاله في المسألة، فما كان فيه من مجمل حمل على المفصل المبين، وما ظهر منه من متشابه رُد إلى ما هو محكم، ثم حكم على صاحبه وفقًا لذلك المفصل أو المحكم، ولا مانع من تخطئته في إطلاق الألفاظ المجملة المشتبهة نظرًا لما توهمه من باطلٍ- وإن كان لم يقصده- وهذا ما سار عليه ابن القيم في كتابه مدارج السالكين عندما كان يقف مع إطلاقات للهروي، فيحملها على أحسن محاملها ثم يبين ما فيها [3] وهذا هو الفرق بين نصوص الوحي وكلام المخلوقين ففي نصوص الوحي نحمل المجمل على المبين ونرد المتشابه إلى المحكم، دون اتهام المجمل أو المتشابه بإيهام الباطل، لأنها نصوص معصومة متى ثبتت فهي حق نتهم معه عقولنا وآراءنا، وما خفي علينا من بيان إجماله أو تفسير متشابهه نكل علمه إلى الله قائلين ءامنا به كل من عند ربنا، أما كلام المخلوق غير المعصوم فنحمل مجمله على مفصله ومبينه ونرد متشابهه إلى محكمه لكي لا نحكم عليه بالظن. ولكن مع ذلك لا مانع من تخطئته في إيراد المجمل والمتشابه وإطلاق ما يوهم الباطل .. إذ هو مظنة الخطأ والنقص والغفلة والسهو العي، وليس كلامه بالمعصوم.
(1) يُنظر: مفتاح دار السعادة 2/ 244.
(2) يُنظر: مدارج السالكين / فصل قال الدرجة الثالثة صفاء اتصال 3/ 151.
(3) يُنظر: على سبيل المثال المصدر السابق / فصل فإذا استحكمت يقظة أوجبت له الفكرة، ص 712 - 713، فصل صاحب منازل اللطيفة الثالثة تعظيم الحكم ص 807، فصل قال الدرجة الثالثة صفاء اتصال 3/ 156.