فهرس الكتاب
5 -بيان المجمل أو معرفة معنى المتشابه يكون بواحدٍ من شيئين - إما بالرجوع إلى المفصل سواءً كان متصلًا أو منفصلًا، وإما بالرجوع إلى سيرة القائل وطريقته ومذهبه وما يدعو إليه ويناظر عليه [1] أو بالاثنين معًا.
أقوال العلماء:
إذا أردنا معرفة أقوال العلماء في حمل مجمل كلام المعين على المبين ورد المتشابه إلى المجمل، مع رفض ما يوهمه المجمل أو المتشابه من الباطل وتخطئة صاحبه في ذلك الإيهام .. فلننظر إلى بعض الكلمات التي صدرت من بعض العلماء وفيها إجمال أو اشتباه يوهم ظاهرًا باطلًا وكيف تعامل العلماء مع تلك الكلمات .. وهل ألزموا قائلها بمضمون ظاهرها الباطل .. وجعلوه قولًا له .. أم نظروا إلى المبين والمفصل من كلامه .. وإلى حاله وسيرته ومحكم أقواله .. وردوا ما تشابه إليه .. مع التخطئة في إيراد العبارات الموهمة إن لزم الأمر ذلك؟!
وهذا ما سنعرفه من خلال المثال الآتي:
المثال هو تلك العبارة التي وردت عن شعبة بن الحجاج [2] أمير المؤمنين في الحديث، وظاهرها مشكل جدًا، ونصها (( إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) )يخاطب بذلك طلبة الحديث النبوي - على صاحبه أفضل الصلاة والسلام -، فتعالوا ننظر كيف تعامل العلماء مع هذه العبارة التي توهم التثبيط عن طلب الحديث، واعتباره صادًا عن ذكر الله وعن الصلاة (وهذا التعبير - كما هو معلوم - لم يرد في القرآن إلا في حق الخمر أم الخبائث) فلو أخذنا بظاهر هذه العبارة لحكمنا بزندقة قائلها - عياذًا بالله - ولقلنا إن فيها تشبيهًا لطلب الحديث بالخمر مع أن طلب الحديث من أجل القربات والطاعات، بينما الخمر من أعظم الموبقات والمنكرات .. لكننا نجد العلماء لم يقفوا عند ظاهر هذه العبارة .. ولم يحكموا على قائلها بمقتضى ما توهمه من باطل .. بل نظروا إلى شيئين وردوا هذا المتشابه إليهما:
أولًا: نظروا إلى أقوال الرجل وماله من حث على طلب الحديث، وترغيب فيه.
ثانيًا: نظروا إلى سيرته وما فيها من تعظيم الحديث النبوي وإجلاله والحرص عليه، وما فيها من سعي دؤوب - آناء الليل وأطراف النهار - في تحصيله حتى صار شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، كما نظروا إلى الحال الذي قيلت فيه هذه الكلمة، وسبب قولها.
-فبين الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد الدرامي (ت 280 هـ) في رده على بشر المريسي أن الكلمة قصد بها شعبة طلب الحديث الذي يكون خالطه الرياء والعجب واستطالة صاحبه به على من دونه، أو الذي جمعوه
(1) يُنظر مدارج السالكين لابن القيم / فصل قال الشيخ وأما التوحيد فهو ص 1062.
(2) هو: شعبة بن الحجاج بن الورد الأزدي العكي، أبو بسطام، الإمام الحجة الحافظ أمير المؤمنين في الحديث، رأى الحسن البصري وأخذ عنه وأخذ عن كثير من التابعين، وهو أول من جرح وعدل، قال فيه هل العلماء إلا شعبة من شعبة. ولد سنة (80 هـ) وتوفي سنة (160 هـ) [يُنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي/ 80 - شعبة بن الحجاج 7/ 202] .