فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 264

حال غفلةٍ عارض، لا حال عنادٍ واستكبارٍ ومشاقة، كما أن عدم الرضا من آدم لم يكن شاملا لحكم الله الكوني والديني، إنما كان مقتصرًا على جزئية ثم سرعان ما أقر بخطئه وذنبه، وسرعان ما تغير ذلك الحال العارض.

وبهذا نفهم- وهو المقصود- أن عدم الرضا بحكم الله الكوني أو الديني سبب من أسباب المخالفة لكنه على ثلاث درجات (نعرفها من خلال الأمثلة التي ذكرها ابن القيم) :

الدرجة الأولى ما أوقع في المعصية: كما حصل من آدم عليه السلام، وهي أخف درجات عدم الرضى على تفاوتٍ بين المعاصي، وصاحبها أقرب إلى الرحمة ومراجعة الأمر، وهي التي ابتُلي بها أكثر الخلق لما في أمر الله ونهيه من مخالفة الشهوات الغالبة، ويبدو أن هذه الدرجة من عدم الرضى تختص بعدم الصبر على تنفيذ أمر الله أو ترك نهيه مع وجود أصل الرضا بأمر الله ونهيه، ومع عدم الإحداث في دين الله أو رده والاستكبار عنه ... فهو أقرب إلى العمل منه إلى القول والاعتقاد.

الدرجة الثانية من عدم الرضى: ما أوقع في البدعة كمثل ما حصل من الروافض والنواصب والخوارج الذين مثل بهم ابن القيم عند حديثه عن عدم الرضى فيما سبق نقله [1] .

إذْ لو رضي الروافض مثلًا حكم الله الديني بتفضيل الشيخين ومدح سائر الصحابة، وحكمه القدري بتمكين أبي بكر وعمر، وتيسير أمور العدل في عهدهما بأعظم مما كان في عهود من بعدهما لما وقعوا فيما وقعوا فيه من بدع، وهكذا النواصب والخوارج وقعوا فيما وقعوا فيه من البدع بسبب عدم الرضى.

الدرجة الثالثة: من عدم الرضى: وهو ما كان صادرًا عن مشاقةٍ ومعاندةٍ واستكبار على الله وعلى أمره، وهذا موقع في الكفر الأكبر الذي وقع فيه إبليس.

وعليه فالرضى بحكم الله الكوني والديني بابٌ عظيم من أبواب السلامة من الزيغ والكفران، وعدم الرضى بابٌ كبير من أبواب الوقوع في البدعة والكفر والخسران.

الفرع الثالث: الجهل وعدم معرفة الجاهلية:

والجهل سبب عدمي إذ معناه: انعدام العلم، وهذا السبب يتكون من شقين: عام، وخاص، فالجهل هو الشق العام، إذْ يشمل الجهل بالحق والهدى الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، والجهل بما يضاده، أما عدم معرفة الجاهلية فيختص بجزء من الجهل وليس بالجهل كله، وذكرناه لأهميته من باب ذكر الخاص بعد العام، وأعظم ما يبين خطورة الجهل أن صاحبه لا يمكن أن يرتفع من حضيض الضلال والنقص ومستنقع الشرور مهما حاول، فمن انعدم علمه انعدم خيره وكماله وهداه لذا قال ابن القيم وهو يتحدث عمن يفرق بين المعرفة والعلم، وما أدى إليه من إغفال العلم عند الكثير، لاعتقاده إمكان الولاية لله بدون العلم الذي هو عندهم مرجوح بالنسبة للمعرفة فقال رحمه الله (( وهذه الطائفة ترجح المعرفة على العلم جدًا، وكثير منهم لا يرفع بالعلم رأسًا، ويعده قاطعًا وحجابًا دون المعرفة، وأهل الاستقامة منهم أشد الناس وصيةً للمريدين بالعلم، وعندهم أنه لا يكون ولي لله كامل الولاية من غير أولي العلم أبدًا، فما اتخذ الله ولا يتخذ وليًا جاهلًا، والجهل رأس كل بدعةٍ وضلالةٍ

(1) الصفحة السابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت