ونقص، والعلم أصل كل خير وهدى وكمال )) [1] وله قاعدة أخرى تقول (( فأصل كل خير: هو العلم والعدل، وأصل كل شر: هو الجهل والظلم ) ) [2] غير أن هذه القاعدة أضافت أصلًا آخر للشرور وهو الظلم, والإنسان كما يقول ابن القيم في موضعٍ ثالث (( خلق في الأصل ظلومًا جهولًا، ولا ينفك عن الجهل والظلم إلا بأن يعلمه الله ما ينفعه ويلهمه رشده ) ) [3] .
وفي ذلك إشارة لقول الله تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [4] .
فكل تفريط في أمانة الدين- علمًا وعملًا- إنما مرده إلى الجهل وإلى الظلم، وكل انحراف عن الحق فلابد أن يكون أحد أسبابه الرئيسة الجهل به عند أكثر الناس [5] .
كما أن الجهل أحد ثوبين من لبسهما لقي الهلاك بعينه، ومن لبس أحدهما لقي من الردى بحسبه يقول عن ذلك شعرًا:
وتعر من ثوبين من يلبسهما *** يلقى الردى بمذمة وهوان
ثوب من الجهل المركب فوقه *** ثوب التعصب بئست الثوبان [6] .
ويشرح ذلك نثرًا حيث شبه الثوبين بشجرة، والفطرة بأرض رحبة قابلة للغرس فيها، (( فإن غرست شجرة الايمان والتقوى أورثت حلاوة الأبدان، وإن غرست شجرة الجهل والهوى فكل الثمر مر ) ) [7] .
والخلاصة أن الجهل في نظره أصل كل فساد وضرر يلحق العبد في دنياه وأخراه [8] ، وإن أكثر كفر الأتباع والعوام ناتج عن الجهل [9] حتى قال رحمه الله (( فعاد الخير بحذافيره الى العلم وموجبه، والشر بحذافيره إلى الجهل وموجبه ) ) [10] وقال (( فعادت السعادة بجملتها إلى العلم وموجبه، والشقاوة بجملتها إلى الجهل وثمرته ) ) [11] .
(1) مدارج السالكين لابن القيم / فصل صاحب المنازل باب المعرفة 3/ 335.
(2) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم / فصل أصل كل خير هو العلم والعمل 2/ 168.
(3) المصدر السابق 2/ 168.
(4) الأحزاب: 72.
(5) يُنظر: هداية الحيارى إلى أجوبة اليهود والنصارى، لابن القيم، ت لجنة من العلماء بإشراف الناشر، دار ابن زيدون ط 1، 1410 هـ / اعتراف أبي جهل بنبوة محمد السؤال الأول، ص 35.
(6) القصيدة النونية لابن القيم / فصل في مقدمة ناقصة .. ، ص 17.
(7) الفوائد، لابن القيم، ت عامر بن علي يا سين، دار ابن خزيمة، ط 1، 1418 هـ/ فصل من عظم وقار الله في قلبه، ص 99.
(8) يُنظر: مفتاح دار السعادة/ فصل شرف العلم ... 1/ 315.
(9) يُنظر: المصدر السابق / فصل أقسام الكفر 1/ 331.
(10) المصدر السابق 1/ فصل الذين يذهب الإسلام على أيديهم 1/ 491.
(11) المصدر السابق 1/ 169.