المطلب الرابع:
السمات العامة لعصر ابن القيم
معلوم أن ابن القيم من علماء القرن الثامن الهجري، لكننا لن نقتصر في الحديث عن هذا القرن وحده، بل سنضيف قرنين آخرين، أحدهما قبله وهو السابع، والآخر بعده وهو التاسع، لأن الصورة لا تكتمل إلا بذلك، فغالب ما في القرن الثامن إنما هو امتداد لكثير مما وقع أو بدأت أحداثه في القرن السابع، ثم إن كثيرًا منها بقيت آثارها وامتداداتها إلى القرن التاسع، فهي ثلاثة قرون مرتبط بعضها ببعض في كثير من السمات العامة، خصوصًا أن كلها أو جلها تنسب إلى عهد واحد هو عهد المماليك، لذا فالأحوال السياسية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية متقاربة إلى حد كبير .. وعليه فليعلم أن حديثنا عن عصر ابن القيم سيشمل الثلاثة القرون (من السابع- إلى التاسع) .. فنقول:
لقد كان عصر ابن القيم وما سبقه وما تلاه، من أخصب عصور الإسلام أحداثًا ومتغيرات، ومن أهمها إنتاجًا فكريًا وثقافيًا وعلميًا، ومن أكثر العصور تأثيرًا فيما بعده .. حتى إننا لا نزال نشعر في عصرنا هذا بالاشتداد القوي إلى القرون الهجرية الثلاثة (السابع والثامن والتاسع) وإلى الاعتبار بما حدث فيها من متغيرات جسيمة، تشبه في جوانب منها ما يجري في عصرنا .. ولا يزال علماء ذلك العصر - ومنهم ابن القيم رحمه الله - محل اقتداء .. وكتبهم محل استرشاد واهتداء .. للأجيال المتلاحقة بعدهم إلى يومنا هذا ..
وها نحن سنعرض لأهم سمات ذلك العصر لنحقق بذلك هدفين اثنين:
الأول: التعرف أكثر على شخصية ابن القيم التي لا تنفك بصفاتها وخصائصها عن التأثر بسمات العصر وخصائصه.
الثاني: معرفة أوجه الشبه بين عصرنا وذلك العصر .. مما يبين مدى حاجتنا لتوجيهات علماء ذلك العصر، ومعرفة منهجهم في التعامل وإصدار الأحكام (وعلى رأسها التكفير والتبديع اللذان هما محل بحثنا) .. لأن تشابه المشكلات يجعل الحلول متقاربة .. فكأن ابن القيم حين يعالج عددًا من المشكلات في كتبه يعيش بيننا ويعالج مشاكلنا.
فهلم أيها القارئ إلى أبرز سمات عصر ابن القيم: موضحة في الفروع الآتية:
الفرع الأول: النهضة العلمية:
فقد شهدت مصر وبلاد الشام بالذات نهضة علمية عجيبة ورائدة - رغم تدهور الأوضاع العامة كما ستأتي الإشارة إليه في السمات اللاحقة - وبلغت تلك النهضة ذروتها في عصر ابن تيمية وأصحابه وتلاميذه - كما يشير إلى ذلك الذهبي ويشير معها إلى بدايات تلك النهضة التي سبقت وجود ابن القيم بنحو مائتي عام