بين الناس، فرد عليه ابن تيمية بسفره العظيم (منهاج السنة النبوية) ، وكان هناك أيضًا انتشار ورواج للتجهم وللمتصوفة، كما لا يخفى انتشار مذهب الأشعرية، وقيام دول تتبناه وتنشره، وتشيد المدارس الكبيرة لعلمائه ومتكلميه.
ومما لفت نظري في هذا الباب قول ابن كثير - رحمه الله - عن بلاد الشام بعد ذكر حوادث مؤلمة (( وظهر على الناس بتلك البلاد من أهل السنة أهل البدعة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولم يحج فيها أحد من أهل الشام، بسبب تخبيط الدولة، وكثرة الاختلاف ) ) [1] ولعله يشير إلى الاختلاف السياسي أولًا، ثم إلى الاختلاف العقائدي والمذهبي، لا سيما والسياق يتحدث فيه عما جرى لخطباء أهل السنة، إثر ظهور أهل البدع الرافضة في عهد ملك التتر خرابندا، ولكن الأعجب من ذلك وقوع محن على بعض الأئمة والمصلحين على يد من ينتسب للسنة وليس على يد الروافض، وحسب المطالع أن يتأمل ما جرى لابن تيمية من محن، ثم ما جرى لتلميذه ابن القيم من بعده [2] ، وما جرى أيضًا من فتن ومحن بين الحنابلة والشافعية [3] . وحين تقرأ تراجم كثير من الأعلام لا تخطئ عيناك أن تقع على قول المؤرخين (وقد جرت له محنة) أو ما في معناها، وإذا بحثت عن سببها وتفاصيلها، وجدتها ترجع إلى التعصب، فها هو المؤرخ الكبير والعلامة النحرير الشيخ شهاب الدين أبو شامة المقدسي شيخ دار الأشرفية، وصاحب المصنفات العديدة، يتهمه المتعصبون برأي- وهو بريء منه - ثم يؤلبون عليه، ويرسلون إليه من يغتاله، فجاءوا وضربوه ليموت فلم يمت، ثم أتوه مرة ثانية وقتلوه بمنزله- رحمه الله - سنة (665 هـ) [4] .
وقريب من القرن السابع (أي في أواخر القرن السادس) همَّ المتعصبون بقتل الحافظ العلامة / عبد الغني المقدسي (ت 600 هـ) [5] ، وفي مطلع القرن الثامن الهجري يحدثنا التاريخ عن عقد مجالس لإراقة دم ابن تيمية - رحمه الله - بعد أن كفروه، واجتمع على ذلك طوائف من الفقهاء وأهل النظر والطرقيون [6] ولا ننسى في هذا
(1) البداية والنهاية لابن كثير, ثم دخلت سنة تسع وسبعمائة 18/ 98.
(2) يُنظر في محن ابن تيمية رحمه الله: البداية والنهاية لابن كثير / ذكر مقتل المنصور لاجين 17/ 711، 17/ 38، 17/ 97، والدرر الكامنة .. لابن حجر / ذكر من اسمه أحمد 1، 46 - 51، 1/ 296، ويُنظر في محن ابن قيم البداية والنهاية لابن كثير/ ثم دخلت سنة ست وعشرين وسبعمائة 14/ 140 - 267، والدرر الكامنة / ذكر من اسمه محمد .. 1/ 480، 4/ 1.
(3) يُنظر على سبيل المثال: البداية والنهاية لابن كثير / ثم دخلت سنة ست عشرة وسبعمائة 18/ 149، ثم دخلت سنة خمس وخمسين وستمائة 13/ 196.
(4) يُنظر: المصدر السابق/ ثم دخلت سنة خمس وستين وستمائة: الشيخ شهاب الدين أبو شامة 18/ 474.
(5) يُنظر: تاريخ الإسلام، لشمس الدين محمد الذهبي، ت بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، ط 1 1424 هـ / سنة ستمائة 12/ 1209.
(6) يُنظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر/ ذكر من اسمه أحمد 1/ 146 وما بعدها.