تصديق القلب [1] بأن الله سبحانه خالق السموات والأرض، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإن لم يقر بلسانه ولم يعمل شيئًا، بل ولو سب الله ورسوله، وأتى عظمته، وهو يعتقد وحدانية الله ونبوة رسوله، فهو مؤمن )) [2] ومفهوم هذا الكلام أنه لا يمكن أن يكون الساب لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - مؤمنًا عند ابن القيم، وإن كان معتقدًا لوحدانية الله ونبوة رسوله، بل هو على التحقيق رأس من رؤوس الكفر.
ومما استدل به ابن القيم على ذلك قول الله تعالى: {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِى دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ... } [3] قال (( وإنما صار إمامًا في الكفر لأجل الطعن، وإلا فإن مجرد النكث لا يوجب ذلك، وهذا ظاهر ) ) [4] .
فإذا كنا قد أشرنا سابقًا إلى أن التعطيل بجملته أحد الأقوال المكفرة عند ابن القيم، وذلك لا يعني أن الكفر لا يلحق إلا من عطل جميع الصفات، بل هناك صفات من أنكرها بمفردها كفر، ومن ذلك الكلام والرؤية، فإنكارها أو إنكار واحدٍ منها مكفر عند ابن القيم، وحكاه عن كثير من علماء الإسلام فمن ذلك: ما نقله عن وكيع- رحمه الله- أنه قال:"ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر بما أنزل الله على محمد يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه".
ونقل عنه أيضًا لعنه لبشر المريسي وقوله عنه"يهودي أو نصراني ... وعلى أصحابه لعنة الله، القرآن كلام الله، وضرب وكيع إحدى يديه على الأخرى"ثم نقل عن يزيد بن هارون، وعلي بن عبدالله، وعبيد الله بن عائشة، وسليمان بن داوود الهاشمي، وسهل بن مزاحم، وابن مهدي، والبخاري، وآخرين من أئمة الإسلام، أقوالا
تنص على كفر الجهمية بقولهم: القرآن مخلوق، وبطلان الصلاة خلفهم وحرمة السلام عليهم وعيادتهم ومناكحتهم وأكل ذبائحهم، وغير ذلك مما يدل على خروجهم من الدين [5] .
(1) وهذه الطائفة التي تعرف الإيمان بمجرد التصديق هم جمهور الأشاعرة والماتريدية، ونسبه أبو الحسن الأشعري في المقالات لبشر المريسي وأصحابه، وأما أبو الحسن نفسه فذكر عنه قولان في تعريف الايمان: قول موافق للسلف، وقول بأنه التصديق .. وهو الذي يحكيه عنه أكثر أصحابه وعليه استقر المذهب [يُنظر: مقالات الإسلاميين للأشعري/ باب القول في معنى الايمان 1/ 36، وتمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، لأبي بكر الباقلاني، ت عماد الدين أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، ط 1، 1987 م / باب القول في معنى الايمان 1/ 389، وكتاب التوحيد للإمام أبي منصور الماتريدي، ت فتح الله خليف، دار الجامعات المصرية - الإسكندرية 2/ 156] .
(2) الفوائد لابن القيم / فصل وأما الإيمان .. ، ص 251.
(3) التوبة: 12.
(4) (أحكام أهل الذمة، لابن القيم / فصل دليل آخر من الآية ... 3/ 1386.
(5) (يُنظر الصواعق المرسلة لابن القيم 4/ 1402 - 1404.