فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 264

وفيما يخص الحكم على المفرط في استعمال القياس فقد ذكر أن الناس انقسموا في ذلك إلى ثلاث فرق، ثم لخص قول الفرقة الأولى: بأن الحاجة- في نظرهم- إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص، بحجة أن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث، وغلا بعضهم فقال: ولا بعشر معشارها.

وكان قول الفرقة الثانية على العكس تمامًا فقالوا ببطلان القياس كله، واعتباره محرمًا في الدين وليس منه، وأنكروا القياس الجلي الظاهر، حتى فرقوا بين المتماثلين، ونفوا الحكمة والتعليل [1] ، والقولان- كما ترى- طرفا نقيض، وكلاهما بدعةً عند ابن القيم حيث يقول (( وهذا وإن كان قاله(أي القول الثاني) طائفة من أهل الكلام المنتسبين إلى السنة في إثبات القدر، وخالفوا القدرية والنفاة، فقد أصابوا في إثبات القدر وتعليق المشيئة الإلهية بأفعال العباد الاختيارية كما تتعلق بذواتهم وصفاتهم، وأصابوا في إثبات تناقض القدرية النفاة، ولكن ردوا من الحق المعلوم بالعقل والفطرة والشرع ما سلطوا عليهم به خصومهم, وصاروا ممن رد بدعة ببدعة وقابل الفاسد بالفاسد )) [2]

أي ردوا بدعة الفرقة الأولى المغالين في القياس والمفْرطين في استعماله، ببدعةٍ أخرى وهي إنكار القياس بالكلية، وإبطاله ونفي الحكمة والتعليل والأسباب، وغير ذلك مما هو حق معلوم بالعقل والفطرة والشرع. ولاشك أن المذهب الحق وسط بين ذينك الفريقين، فإن الله (( قد أنزل الكتاب والميزان، فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه، ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة ) ) [3] لكنه لا يصار إلى القياس إلا عند انعدام النص أو الإجماع أي عند الضرورة كما قال الشافعي [4] .

المطلب الثاني: بدع في العقائد

وتفصيلها في الفروع الآتية:

الفرع الأول: إثبات الجوهر الفرد وبناء المبدأ والمعاد عليه:

والجوهر الفرد هو (( عبارة عن أقل شيء وأصغره ... وأحقره فليس معناه على قدر لفظه ) ) [5] ويعنون بالجوهر الفرد الشيء الذي تتركب منه الأجسام، وهو (( لا يحس ولا يرى ولا يتميز منه جانب عن جانب ) ) [6] ، فكل جسم عندهم- أو عين- ليس محدثًا ولا كائنًا بعد أن لم يكن، إنما كان جواهر مفردة متفرقة، ثم أصبح

(1) ينظر: إعلام الموقعين لابن القيم / فصل موقف الناس من القياس 3/ 91.

(2) المصدر السابق / فصل هل تحيط النصوص بحكم جميع الحوادث 3/ 95.

(3) المصدر السابق/ قول المتوسطين في القياس 3/ 89.

(4) يُنظر: المصدر السابق / يصار إلى الاجتهاد وإلى القياس عند الضرورة 4/ 43.

(5) طريق الهجرتين لابن القيم / فصل نقض قوله ليس للمحبة صفة يعبر بها عن حقيقتها، ص 462، باختصار.

(6) الصواعق المرسلة لابن القيم / الوجه السادس والخمسون 3/ 930.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت