المطلب الثاني:
مكفرات قولية في أبواب أخرى من الدين
وقد ذكر ابن القيم عدة أقوال مكفرة في هذا الباب منها:
1 -جحد ما علم من الدين بالضرورة، وما علم صاحبه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جاء به:
فقد نقل ابن القيم عن ابن عباس أنه قال (( كل شيء عصي الله به فهو كبيرة، من عمل شيئا منها فليستغفر الله، فإن الله لا يخلد في النار من الأمة إلا من كان راجعا عن الإسلام، أو جاحدًا فريضة، أو مكذبًا بالقدر [1] وحين ذكر ابن القيم أقوال بعض أهل العلم في قول الله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [2] ومنها قول عطاء كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، .. أقر ذلك التقسيم للكفر، وجعل الجحود من الكفر الأكبر [3] .
2 -جحد وجوب الجمعة:
لأن وجوبها مما علم من الدين بالضرورة، ولذا نص عليها ابن القيم، وأفردناها لأهميتها ولتنصيصه عليها، فقد نقل عن أحد العلماء: أن ذلك كفر ولم يعلق عليه بشيء مما يدل على إقراره قال- رحمه الله-"قال أبو عبدالله بن حامد ومن جحد وجوب الجمعة كفر ..." [4] .
3 -استحلال اللواط بالمملوك واعتبار النظر المحرم عبادة، لأن الله بزعمهم يظهر في الصورة الجميلة:
وهؤلاء سماهم ابن القيم (زنادقة) حين قال: (( ويشبه هذا الاستدلال استدلال بعض الزنادقة المنتسبين إلى الفقه على حل الفاحشة بمملوك الرجل بقوله تعالى {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [5] ومعتقد ذلك كافر حلال الدم بعد قيام الحجة عليه ) )، ثم نقل عن ابن تيمية قوله - رحمه الله - فيمن
(1) مدارج السالكين لابن القيم / فصل وأما الكبائر فاختلف السلف فيها 1/ 321. * وهنا سؤال حول حصر ابن عباس المخلدين في النار في هذه الثلاثة الأصناف التي ذكرها، هل يراد به ظاهره من إخراج ما سواها من المكفرات، أم هو من جنس قول الله (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ... ) مع وجود محرمات أخرى ذكرت في آيات وأحاديث، فالآية من العام المخصوص بأشياء وقع السؤال عنها فلم يكن منها محرم إلا الثلاث المذكورة، وكلام ابن عباس قد يكون كذلك فربما سئل عن أشياء أو جرى ذكر أشياء ولم يكن منها ما يوجب الكفر والخلود في النار إلا الثلاث المذكورة، أو لم يكن في زمانهم من المكفرات الظاهرة إلا ما ذكر، أو هناك جواب آخر وهو: أن قوله إلا من كان راجعًا عن الإسلام شامل لكل المكفرات لأن الرجوع عن الإسلام قد يكون بالقول وقد يكون بالعمل وقد يكون بالاعتقاد وقد يكون بالشك فهي شاملة لكل المكفرات، وما ذكر بعدها هو من باب ذكر الخاص بعد العام ... والله تعالى أعلم.
(2) المائدة: 44.
(3) ينظر: الصلاة وحكم تاركها لابن القيم / فصل وأن الكفر نوعان، ص 45.
(4) (المصدر السابق / فصل في حكم تارك الجمعة، ص 22.
(5) (المؤمنون: 6.