وكانت المدرسة أو الدار تمثل مؤسسة تعليمية مستقلة أشبه بالجامعات، ويدرس فيها كبار علماء العصر .. ولو تأملت على- سبيل المثال- المدارس والدور التي ذكرها النعيمي في كتابه (الدارس في تاريخ المدارس) لوجدت الكثير منها أنشئت في القرون المشار إليها، وللقرن الثامن منها نصيب كبير، ورغم كثرة الدور والمدارس التي ذكرها (حيث وصلت إلى ما يقارب 26 دارًا للقرآن والحديث، و 60 مدرسة للشافعية، و 50 مدرسة للحنفية و 11 مدرسة للحنبلية، و 4 مدارس للمالكية، و 3 مدارس للطب، و 27 خانقاه [1] ، 20 رباطًا، و 25 زاوية .. ) ، ومع ذلك كله قد تتفاجأ إذا قلت لك أن هذه الأعداد كلها خاصة بمدينة واحدة وهي مدينة دمشق فقط، أي أن قرابة مائتين وخمسين ما بين مدرسة ودار للقرآن أو الحديث وزاوية ورباط .. كلها أنشئت في مدينة دمشق [2] فكيف بما أنشئ في المدن الأخرى!!؟.
تنبيه مهم: بعد ذكر هذه الدلائل التي تظهر ما تميز به زمان ابن القيم من وجود نهضة علمية غير مسبوقة في بعض جوانبها المشرقة، بقي علينا التنبيه إلى أن هذه النهضة العلمية لم تكن عامة في كل بلدان العالم الإسلامي، ولا تعني بالضرورة انتهاء مظاهر الجهل الصارخة في أوساط عوام المسلمين، كما لا تعني اكتمال ونضوج الوعي لدى المنتسبين للعلم آنذاك ... فقد كان هناك بلدان اختفت فيها كثير من آثار النبوة والعلم، وعم الجهل وطم، ولذا أشرنا في البداية إلى أن هذه النهضة العلمية تكاد تكون مقتصرة على بلاد الشام ومصر، مع وجود آثار لا بأس بها في مناطق أخرى، لكنها بصورة ضعيفة وقليلة،- وقد أشار الذهبي إلى ذلك في كتابه (الأمصار ذوات الآثار) .
لذا لم يخل ذلك الزمان من انتشار الجهل، والتقليد الأعمى في أوساط عوام المسلمين والمنتسبين للطوائف، وبروز التعصب للمذاهب والأفكار والعقائد، حتى في أوساط كثيرين من المنتسبين للفقه والعلم، ووقوع محن لا تحصى على أكثر علماء تلك العصور .. وكثير من تلك المحن يكون الخصم فيها عالمًا أو فقيهًا أو قاضيًا مخالفًا للممتحن في المذهب أو الاعتقاد .. والله المستعان، وسيأتي تفصيل بعض ذلك لاحقًا - إن شاء الله -.
إذن فنحن أمام نهضة علمية رائدة .. شهدها عصر ابن القيم، لكنها لم تخل من مكدرات، وكلا الأمرين (أعني وجود النهضة ووجود تلك المكدرات) أثرا تأثيرًا كبيرًا في تشكيل شخصية ابن القيم - رحمه الله- وترتيب أولوياته في الطلب أولًا، ثم في الدعوة والتربية والتعليم ثانيًا .. فالأولى (وهي النهضة العلمية) ساعدت في نبوغه المبكر، وإمامته وتفننه في سائر العلوم، والثانية (وهي وجود المكدرات) دفعت به للاهتمام بعلوم الأصلين (الكتاب والسنة) والتضلع منهما في مواجهة البدع والمحدثات والعلوم العقلية الفلسفية .. ومحاربة
(1) خانقاه: معناه رباط الصوفية ومتعبدهم، فارسية أصلها خانة كاه (تاج العروس من جواهر القاموس، لمحمد مرتضى الزبيدي، ت علي شيتري، المكتبة التجارية، ط 1 1407 هـ / فصل الخاء مع الهاء 19/ 32) .
(2) يُنظر: الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي / فصل دور القرآن الكريم 1/ 7 - 17، وفصل: دور الحديث الشريف 1/ 19 - 115، وفصل دور القرآن والحديث معًا 1/ 123 - 128.