المسألة الرابعة: أنه استشهد بكلام أحد أئمة المذهب المالكي الإمام محمد بن خويز منداد البصري المالكي (ت 390 هـ) على أن كل متكلم معدود من أهل الأهواء والبدع، سواء كان من الأشاعرة أم من غيرهم [1] .
وباختصار فإن الأشعرية عند ابن القيم داخلة في أهل الأهواء، ومعدودة ضمن الفرق المحدثة المبتدعة .. وهم أفراخ للمعتزلة والجهمية، ومشاركون لهم في أصل التأويل الباطل.
لكن ابن القيم مع هذا الذم للأشعرية لم يعمم، حيث أشار في أكثر من موضع إلى الفرق بين متقدميهم ومتأخريهم، فأما المتقدمون فكانوا أحسن حالًا وأقرب مقالًا إلى ما عليه السلف الصالحون،
لا سيما الإمام أبو الحسن الأشعري (مؤسس الطائفة) ، فإنه في طوره الأخير من حياته وافق أحمد بن حنبل في عقيدته [2] ونقل ابن القيم عنه إثبات الصفات على خلاف ما عليه المتأخرون من أصحابه [3] .
وعليه فليعلم أن تبديع ابن القيم للأشعرية لا يشمل إمامهم أبا الحسن الأشعري الذي ثبت عنه الرجوع لمذهب السلف وإثبات الصفات، ولا غيره ممن تبع أبا الحسن فيما ذكرنا ..
ذهب كثير من العلماء من السلف والخلف إلى ما ذهب إليه ابن القيم من تبديع الأشعرية وإخراجهم عن مسمى الفرقة الناجية، وعدهم من الفرق المخالفة، ومن هؤلاء:
1 -شيخ ابن القيم أحمد بن تيمية - رحمه الله - ولعله أعظم من وضح هذا الأمر من المتأخرين، وتابعه ابن القيم على ذلك، غير أن ابن تيمية كان أكثر شرحًا وتفصيلًا من تلميذه، فقد وضح درجة ما وصل إليه الأشاعرة من ابتداع أدخلهم تحت مسمى الجهمية، فقال (( وكذلك الجهمية على ثلاث درجات: فشرها الغالية الذين ينفون أسماء الله وصفاته .. والدرجة الثانية: من التجهم المعتزلة ونحوهم الذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة، لكن ينفون صفاته، وهم أيضًا لا يقرون بأسماء الله الحسنى كلها على الحقيقة، بل يجعلون كثيرًا منها على المجاز، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون.
وأما الدرجة الثالثة: فهم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية، لكن فيهم نوع من التجهم .. وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى أهل السنة المحضة أقرب .. لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة )) [4] .
2 -أما المتقدمون فجل الأئمة من المذاهب الأربعة مجمعون على تبديع الأشعرية، ومن بينهم متقدمو المالكية والشافعية - رغم أن أكثر متأخريهم على مذهب الأشاعرة، وقد أشار ابن القيم كما ذكرنا في النقطة السابقة
(1) يُنظر الصواعق المراسلة لابن القيم / الوجه السادس والأربعون بعد المائة .. أن أئمة الإسلام وملوك السنة لما عرفوا .. 4/ 1270.
(2) يُنظر اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم / أئمة الكلام من أهل الإثبات، ص 286 وما بعدها.
(3) يُنظر: بدائع الفوائد لابن القيم / فائدة بديعة العين يراد بها حقيقة الشيء المدركة 2/ 393.
(4) إقامة الدليل على إبطال التحليل لابن تيمية / فصل وأما قولهم الذي يطلب منه أن يعتقده أن يتقي الجهة .. 5/ 425 - 5/ 391 باختصار.